دعوة الحق ع7س2 أبريل 1959 .................... ص40
قضية التربية والتعليم في المغرب
للأستاذ: محمد العربي الخطابي
«إن الحياة العصرية لا تعرف الهوادة. والأمة التي لا تقدر إعداد العقول حق قدره مقتضى عليها لا محالة. ولن تجديها البطولة مهما استطالت، ولا الدماثة الاجتماعية مهما ارتفعت، ولا حضور البديهة مهما توقدت، وانتهارات البر والبحر مهما تكاثرت .. فليس بنافعها ذلك كله في رد عادية القضاء»
الفريد نورث هوايتهيد
امتاز عهد الحماية البائد بعزلنا، نحن المغربة، عن سائر شؤون الإدارة والتسيير في وطننا، فكان كل شيء يسير وفق مشيئة «الحماة»، وتنفيذا لأنظمة وخطط وبرامج تحدد مصلحة «الوجود الاستعماري» ويرسمها مهندسو هذا الوجود الساهرون على رعايته وتخليده.
وكان الصراع بيننا وبين رجال إدارة الحماية البائدة قاتما على مسائل جوهرية يمكن تلخيصها هكذا: نحن امة لها كيان خاص بها، ووراءها تاريخ وأمامها مثل وأهداف هي الطابع المميز لشخصيتها الإنسانية والتاريخية والجغرافية، فلا يمكننا ان نتخلى عن مقوماتنا وقيمنا الخاصة بنا، ولا أن نتنازل عن أهدافنا، أو ندغم شخصيتنا في شخصية غريبة عنا نحاول ان تمسخنا ونمحو طابعها المميز.
وكسبنا المعركة الأولى في هذا الصراع، وهي معركة الاستقلال، فوجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام نظام سياسي واجتماعي واقتصادي قائم هو ثمرة سنين طويلة من الحكم الاستعماري المباشر، واضطررنا، كارهين أو مختارين، الى الإبقاء على حشد كبير وثقيل من الموظفين الأجانب وأخذنا نسير معتمدين على هذا الجهاز وعلى عدته الأساسية من الأنظمة والخطط والبرامج، نعلل النفس تارة «بنقص الاطارات»، و تارة اخرى «بالاستفادة من تنظيمات جاهزة معدة، فماذا كانت النتيجة؟ وجدنا إننا نسير في اتجاه، وأهدافنا ومثلنا تسير في اتجاه آخر معاكس. وكان من حسن حظنا ان تنبه وجداننا فمضينا نستقصي الأسباب، ونبحث عن الوسائل لنسير في الاتجاه الذي يجب علينا ان نسير فيه، ونرمم كياننا المتداعي بما يجعله متين البنيان، راسخ الدعائم.
وحيث أنني اهتم في هذا المقال بقضية التربية والتعليم، فإنني أتساءل: ما هي أهدافنا في هذا المجال الحيوي، وما هي الخطط والوسائل التي أعددناها أو ننوي إعدادها لتحقيق تلك الأهداف؟
ان أهدافنا في ميدان التربية والتعليم تحددها من جهة، الغاية التي كنا نتوخاها من ذلك الصراع العنيف الذي بقي محتدما وبين الاحتلال الأجنبي زمنا طويلا قبل حصولنا على الاستقلال، وما تلك الغاية سوى تأكيد شخصيتنا، وتخليص كيان بلادنا من المسخ أو الإدغام، ويحددها من جهة أخرى أننا جزء من العالم الإسلامي الذي تربطنا به أواصر التاريخ والهدف الروحي والإنساني المشترك، إننا امة عربية اللغة والثقافة، ودولة تطمح الى مسايرة الحضارة البشرية، و المشاركة بنصيبها في تحقيق التقارب والتفاهم بين العالميين لفائدة السلام والأمن والحرية والاستقرار بالنسبة لجميع شعوب الأرض.