تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولابد للواقف على قبر لسان الدين ابن الخطيب من الرجوع بفركه للنكبة التي لقي فيها حتفه. نعم لم يصب لسان الدين وحده بذلك، بل يكاد يمتاز القرن الثامن الهجري بعد سقوط بغداد في منتصف القرن السابع باضطهاد العلماء ورجال الأقلام والحكم بما نكبوا فيه على يد المغول والتتر من خراسان إلى البحر المتوسط. ولو أردنا أن نأتي بالأمثلة على ذلك لطال بنا المقال. ولم يسلم من الاضطهاد والجبروت في هذا العهد المظلم الذي قوضت فيه معالم الحضارة الإسلامية حيث ما احتاج الدخلاء دار السلام- إلا من كانت سمته الانتهازية سواء كان من أهل العلم أو من غيرهم. وكثيرا ما أريقت دماء العلماء أو أوذوا أو امتحنوا بالسجن والاعتقال وبغيره من قبل الرؤساء بإيعاز الحسدة والمناوئين، والذين لا ينظرون لقضايا العلم والاجتماع نظرتهم، أو ممن يحسدونهم على ما نالوه من عظيم الشهرة لحسن سلوكهم وطول باعهم في الرواية والدراية كما وقع للإمام ابن تيمية رحمه الله.

.......... صورة .........

وإذا كان الاغتيال السياسي مبررا في القوانين المعمول بها اليوم، فإنه في القديم لم يكن ينظر إليه كدفاع عن عقيدة أو مبدأ، بل كان محمولا على أنه دفاع عن النظام القائم والعقيدة الرسمية للدولة، يتولى الاتهام فيه العلماء من نوع من أفتوا باعتقال ابن تيمية مرارا متكررة، وسجن ابن الخطيب، على أن تتولى الحكومة القائمة تنفيذ الحكم تارة، والعامة والرعاع والطغام من الناس تارة أخرى.

وكان مبنى اغتيال ابن الخطيب، المروق من الدين، هذا الدين الذي- علم الله- كم كان له من رحابة الصدر والتسامح في أكثر عهوده، ولكن الدين في الواقع لم يتخذ في هذه النازلة التاريخية- ولها نظائر كثيرة- إلا مطية للقضاء على منافس في السياسة ومناوئ في مناصب الحكم. وكم يسخر الدين لنيل الأغراض، وكم يسخر لقضاء حوائج النفوس سواء في الغرب أو في الشرق. وقد عرف المغاربة من هذا التسخير الشيء الكثير، فبه تدال الدول وبه تثل العروش. وقد عشنا ذلك أخيرا في مغربنا العزيز عن كثب ... ولا يقصر الحكام وأولوا الأمر والخاصة على أنفسهم هذا التسخير للدين للنيل من منافسيهم بل يتعدى ذلك حتى صار في متناول العامة، وذلك أننا كثيرا ما نرى منهم من يتشاجر مع صاحبه في شأن غرض من الأغراض، فيرفع الواحد منهم عقيرته قائلا في وجه خصمه، مستشهدا عليه من حضر من الناس على قارعة الطريق: اسمعوا أنه يشتم الدين! فيتبلبل صاحبه لعلمه أن ذلك الاتهام خطير، وقد يؤدي به إلى ما لا تحمد عقباه من أنواع التعزير إذا ساقوه للمحاكم.

وإذا كان الخاصة من رجال الحكم جعلوا قاعدتهم: الغاية تبرر الوسائل فما حسبك بمن لا خلاق لهم من الطغام الذين يعملون من غير تبصر أو ترو، وإنما يجرون في الحياة ومع الحياة حسبما يتفق لهم من الوسائل وحسب ما توحيه الأهواء ...

ومهما يكن من أمر فإن سليمان ابن داوود وزير السلطان أبي العباس المريني قد نال مبتغاه بهذا الأسلوب الفظيع الذي كان معمولا به في القرون الوسطى في غير المغرب، في الأندلس قبل الجلاء وبعد الجلاء حين أنشئت دواوين التفتيش. وليست نكبة ابن الخطيب إلا مثالا من ذلك، على أن ما عرفته البلاد الإسلامية من هذا النوع من التنكيل بالعلماء ورجال الفكر شيء قليل جدا بالنسبة لما عرف في العالم المسيحي في شرقه وغربه، لأن الكنيسة الرسمية لم تكن لتتسع لأكثر من نوع واحد من التفكير. وقد تجاوز الطغام الحد في حق ابن الخطيب حيث أنهم نبشوا قبره وأحرقوا جثته من غير أن يرعوا فيه إلا ولا ذمة ولا سوابق خدمات في سبيل العلم والإسلام، في دول رفعت من شأن الإسلام والمسلمين في الأندلس حيث لم يبق بها من أمجاد الإسلام الا الرمق. وقد حاول بعض المؤرخين أن يخففوا من مسؤولية عامة المغاربة في هذه الحادثة، فذكروا أن من قاموا بها كانوا من زعانفة أهل غرناطة وأوغادها الذين وردوا في ركاب سفراء السلطان ابن الأحمر، عفى الله عنا وعنهم، كأن الطغام يمكن أن يكونوا غير طغام فوق كل غبراء وتحت كل زرقاء!

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٢٦