تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الصناعي المشهور (هنري فورد): أن الحل السريع هو إطلاع الأجيال الجديدة على حقيقة مهمة النقد.

وقال السيد (ستافورد كريبس) نائب رئيس حزب العمال البريطاني: أن النظريات والاكتشافات التي جاء بها السيد (سلفيو جيسل) والتي تتعلق بالأرض الحرة، هي بالنسبة الينا من الضروريات.

نظرية مراقبة تداول النقد تفتح طريقنا إلى النصر.

وقال الأستاذ (جوهن مينار كينسس) الاستاذ بجامعة كمبرج و حاكم بنك انجلترا: اعتقد ان المستقبل

سيستفيد من (جيسل) أكثر مما استفاد من ماركس

وهكذا فإن (جيسل) احدث ثورة في التفكير الاقتصادي، حين نبه الى الحقيقة الطبيعية التي للعملة والى مهمتها في نقل السلع وتداولها.

*

وإذا نحن نظرنا على المبدأ الاقتصادي، الذي جاء به الإسلام نجده متفقا في الغاية مع هذه النظرية، لأن الإسلام وسائر الديانات اعتبرت المال وسيلة لا غاية، وفي الحديث الشريف: (الدراهم والدنانير خواتم الله في أرضه) وبما أن الأصل في التعامل هو تبادل متاع بمتاع، ولما كان الاستمرار في هذا التبادل غير متيسر لأنه يحتاج إلى صعوبات ومضاعفات لوسائل النقل، فقد وضعت الإنسانية المال مكان السلعة المتبادل عليها. فقيمة المال إذن هي قيمة السلعة التي يراد شراؤه بها، فهو وسيلة لنقل السلعة. وتشبيه النقد بالنقل نجده نفسه في كلام الفقهاء الذين شبهوا النقد بالبريد واعتبروا حبسه ظلما.

وقد قلت في كتابي (النقد الذاتي) ص 198 في إيضاح نظرية الإسلام في المال ما يأتي (المال وسيلة، وإذن فيجب أن لا يستعمل غاية، لذلك يتفق الإسلام مع الديانتين اليهودية والمسيحية في تحريم الربا أضعافا مضاعفة، وحينما يقول الناس (إنما البيع مثل الربا) يجيب القرآن بأن الأمر كذلك لو ترك الناس وفقا للطبيعة دون اعتداد بما تقتضيه الإنسانية من مراعاة الحقوق وعدم أكل أموال الناس بالباطل، ولكن الرحمة الإلهية تأبى أن تترك الغني يستغل الضعيف، فلذلك أجاب القرآن (وأحل الله البيع وحرم الربا).

وتحليل البيع لأنه ضروري لتداول النقد، بل إن الشارع رغب في شراء الأشياء حين قال (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق) فالواجب إذن هو التحلي بزينة الحياة والتمتع بالطيبات، لما في ذلك من تشجيع الإنتاج وتداول النقد. أما تحريم الربا، فلأنه يؤدي إلى الاحتكار وتكديس المال وعدم استعماله في الإنتاج، الأمر الذي ينتج عنه إبقاء الثروة في دي ثلة قليلة من الناس كما قال تعالى (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) أي حتى لا يصبح محصور التداول بين الأغنياء، مع أن الواجب تعميم تداوله بين مختلف الطبقات. وقد ارشد الإسلام لعلاج ذلك بأمرين: أولا: منع الربا، ولاشك أن الإنسان إذا عرف أن ماله سيبقى من غير فائدة بحث عن وسيلة استعماله فيما يرجع إليه بالنفع. وثانيا الزكاة أو الضريبة التصاعدية على كل مال أدخر، وهذا ما يجعل المال المودع في البنوك أو في الصناديق الحديدة ينقص سنة فسنة عوضا عن أن يزيد، الأمر الذي يشجع على استغلاله وجعله متداولا بين الناس.

وهذه الغايات هي التي يرمي إليها (جيسل) بالضريبة التي يطلب فرضها على كل نقد لم ينتقل من يد صاحبه ليد غيره، وذلك عن طريق تنقيص قيمة الورقة النقدية التي يمضي على تاريخها أمد معين، الأمر الذي يجعل كل من حلت بيده تلك الورقة يعمل على إخراجها عن طريق الشراء والتبادل، وهي وسيلة أحسن من وسائل إلغاء الأوراق النقدية جملة بمجرد مضي سنة كما يقع أحيانا في روسيا.

وإذا أردنا أن نبرز التشابه بل التطابق الموجود بين نظرية جيسل ونظرية الإسلام في النقد، فعلينا أن ننقل هذه الفقرات من كلام الغزالي، وقد استدللنا بها في كتاب النقد الذاتي على صحة ما قلنا، ونصها:

(إن معاملة الربا ظلم، لأن الدراهم والدنانير خلقا لغيرهما لا لنفسهما، إذ لا غرض في عينيهما، فإذا اتجر في عينيهما فقد اتخذا مقصودين على خلاف وضع الحكمة. إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم، ومن معه ثوب ولا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشتري به طعاما،

إذ ربما لا يباع الطعام بالثوب فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل ما سيتوصل به إلى الطعام، فهما وسيلتان إلى الغير، وموقعهما في الأموال كموقع الحرف من الكلام كما قال النحويون: أن الحرف هو الذي جاء لمعنى في غيره، وكموقع المرآة من الألوان، فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل بالنقد غاية عمله، ليبقي متقيدا عنده وينزل منزلة المكنوز، وتقييد الحاكم والبريد الموصل إلى الغير ظلم، كما أن حبسه ظلم، فلا معنى لبيع النقد بالنقد، الا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم).

فمئال الأمر إذن في الإصلاح الإسلامي هو العمل على ترك النقد في موضعه الحقيقي، وهو اعتباره بمثابة البريد حسب تشبيه الغزالي، أو بمثابة سيارة النقل حسب تشبيه (جيسل)، وكما أن أداة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٠٠