لتكون الفائدة أعم. على أنني لا أوافقه في نظرته على محاولات شبابنا في كتابة القصة، وإن كنت متفقا معه في كتابة المسرحية. وكل محاولة من هذا النوع يجب أن تلقى التشجيع الصادق، وغلا انصرف عنها أولئك الشباب العالمون آسفين ايسين ...
*
ويروقني أن اهمس في إذن الأستاذ إبراهيم حركات أن اللغة العربية بخير، وأنها ليست وحدها في العالم الإنساني ذات مشاكل، حتى تستحق كل هذه الصيحات المدوية ... ثم ما فائدة كتابتها باللاتينية؟ وكيف تقترح يا أخي في «مشكلة المثنى» و «الفاعل» وغيرها؟ أننطق بهما على الدوام بالألف والنون؟ ما مصير القرآن حينئذ؟ أترانا نفهمه وقد تصرفنا في هيكل ألفاظه! بل ما مصير تراث آبائنا أجدادنا الأمجاد، اللذين صنفوا وأبدعوا ما شاء لهم الإبداع والتصنيف؟! إن المقارنة التي عقدتها - يا أخي- بين طالب الشاذة الابتدائية وهو يتلو العربية وبين زميله وهو يتلو الفرنسية لا ترجع للغة بالنسبة لهذا، بل ترجع للمعلم المكون تكوينا بيداغوجيا صحيحا، وللكتاب الذي بيده وقد اعد إعدادا صحيحا ... ويوم نرى جميعا ذلك، المعلم المنشود، وذلك الكتاب المفيد، سيصبح حديث «مشكلة اللغة العربية» حديث خرافة!! على أنني مع هذا اقدر للأستاذ إبراهيم حركات، وهو المربي الفاضل، والمؤلف العالم في ميدان التعليم هذا البحث الذي سطره على صفحات مجلة «دعوة الحق» ورائده الإخلاص والغيرة على اللغة العربية والتخوف على مصيرها. وأن رأيي يرتكز على أن أمثال هذه الآراء لا تقابل بالإعراض، وإنما تؤخذ بعناية لدى جميع المعتزين بالعربية، وخطها، وآدابها، كما أن آراء المعتزين بالعربية يجب أن تبرز رصينة، وعلى الأولين ألا يعتبروها «رجعية»!
*
بعد هذا يأتي دور صديقي الأستاذ اللمتوني، والحقيقة أنني أعرف اللمتوني شاعرا، وأود أن أراه على الدوام شاعرا مغردا صداحا، ولكن «الجسر» خطوة موفقة منه في فن القصة، وقد أبى إلا أن يجعل من الخيال حياة اجتماعية متحركة، وحاول إبراز نفسية أشخاصها، فمزج الفكاهة بالاجتماع في سرد وسياق لا يمجهما القارئ. وما دامت الحلقة الأولى تليها حلقات، فإننا لا نعرف كيف يحل العقد، كيف تشتبك مصالح الأبطال على مسرح الحياة الفسيح فلننتظر ...
*
وها هو الشاعر محمد الحلوي في «أبو الثلج» يمجد الأطلس الجبار، ويأبى الشاعر إلا أن يطير إلى ارض النيل، ليتحدث إلى أبي الهول، وقد شمخ بأنفه، ومن أين له بالأنف، وقد طوحت بت الأيام؟! ولا كذلك الأطلس الذي يكسو الثلج هامه وقممه الشامخة منذ الأزل ... ويأبى كذلك شاعرنا إلا أن يتغنى بجمال الأطلسيات، الذي يترفع عن البرقع الخداع ... وتأبى «أنانية» الشعار إلا أن تجلب «أنظار» الأطلس إليه، لأنه شاعر! وما درى أن الأطلس حدث - ولا يزال- أمم الشرق والغرب عن عظمة أبنائه، وعن رسالة الإخاء والسلام التي أودها كاملة في الماضي، والتي سوف يؤذونها - إن شاء الله في المستقبل ... حتى لا (يدري الأوائل أن ما بنوا من فخار ضيعته الأواخر) ... إن الشاعر الحلوي كان موفقا جدا في رائيته هذه، وأن مما زانها هذه الروح الوطنية المغربية، وهذه النظرة التي امتدت من أعلى قمم الأطلس حتى أتصل شعاع نظره بابي الهول في الإقليم المصري بالجمهورية العربية المتحدة ...
*
وهكذا يأتي بعده الشاعر احمد البقالي، فيهجر الأسباب والأوتاد، وينطق هاتفا: (هل تذكرين)؟، وأنه من غير شك ستمد (بوري) يدها، وستتذكر الأريكة والظل ونور الياسمين ... وستخبرك - على أي حال - لمن تبتسم! ومن تبصر في المنام! وأؤكد كذلك أيضا أنها لن تنسى البحر والأمواج والمتفرجين، وأكذوبة «الشوك اللعين»! وهنا أهمس في أذن صديقي البقالي، وبي ما بت من فضول الشباب: أي شاطئ كان ذاك؟ شاطئ الإسكندرية أم طنجة أم مرتيل ... ؟!
*
إن انطلاقة القارة الإفريقية فيها، فبعد ليبيا المغرب، وتونس، وإفريقيا السوداء، والجزائر المجاهدة .. فهذه الأصوات - أصوات من افريقية - لاشك في حرارتها وقوتها، وفي جلجلتها ... على أن الأستاذ مصطفى المعداوي يبعثها إلى سمع الدنيا من أفواه