ليت شعري ما الذي قد طال البعد حتى ومضى شهر فشهر أملال وانعطاف أم دلال واعتزاز غاب دهرا مستطيلا أوجب هذا الصد كله صرت حيران موله بعساه ولعله عن محب لم يمله؟ عن محب قد أذله؟ هكذا شأن الأهلة
وللشيخ أحمد بن المأمون البلغيثي في نفس الغرض «نسيب»:
بدت لي ترنو بالعيون الفواتر ولكن لها في القلب وقع البواتر
مهاة لها نفسي النفيسة أذعنت وهل أذعنت يوما لغير الحرائر؟
بها شغفي نام وفي ذل حبها أرى عز قدري بين أهل المفاخر
رسول جمال قد دعت لجمالها بآية سلب للنهى والخواطر
دعتنا فآمنا وإنا لنرتجي دواما على الإيمان رفع الستائر
إلى أن يقول:
وإني ساع في رضاها مسارع أطارح بالأخبار عنها مسامري
وأذكر من أيام أنس بها مضت كإبهام ضب أو كخطرة طائر
فيذري دموعي من جفوني تذكري ويذكي ضلوعي ما أكنت ضمائري
وللسليماني «الربيع»:
بزغ الصباح فقم بنا يا صاح نقضي أويقات السرور
وبدت دواعي الأنس في الأرجـ ــاء باهرة السفور
وأتى الربيع مبشرا وهو المقدم في الشهور
فالروض باكره الحيا والغصن منظره نضير
بنواسم وبواسم عنها النسيم أتى سفير
والطير قلد معبدا يملي التواشي للحضور
وكأنما زرياب علـ ـلمه تلاحين البحور (1)
ولعل القارئ الكريم استطاع أن يلمس فيما سقنا من النماذج ما ذهبنا إليه من تأثير المدرسة الأندلسية، مع مبالغة في استعمال المحسنات البديعية التي تزعجنا بصنعتها وتعملها أحيانا، كما استطاع أن يلحظ تطفل ألفاظ ليست شعرية على الإطلاق، وربما مجها الذوق الفني (إبهام ضب، تلاحين البحور، يملي التواشي)، وغير هذا مما لا يخفى على من يتمتع بمسكة من ذوق أدبي، لكنا مع ذلك سوف نظلمهم إذا نحن لم نلتمس لهم بعض المعاذير التي جعلتهم كذلك، فبداية العصر الذي ظهروا فيه (الربع الأول من القرن العشرين) كان عصر انهيار سياسي وأدبي في المغرب، ثم إن أكثرهم درس بالقرويين أو غيرها من الكليات الدينية التي سارت على مناهج عتيقة وجامدة كل الجمود، فالشعر يدرس لأجل اللغة، واللغة تدرس لأجل فهم معاني القرآن والحديث، وكان لهذا دون ريب أبلغ الأثر في قصور هذه الطبقة عن الإبداع، وقد رأينا ابن خلدون يعترف بهذا المبدأ ويطبقه على نفسه فيقول لصديقه ابن الخطيب إنه لا يجيد نظم الشعر لكثرة ما يحفظ من القوانين العلمية التي خدشت محفوظه من جيد الكلام.
وإذا كانت النهضة المصرية التي تمتد جذورها إلى حملة بونابرت على مصر سنة 1798 بدأت تؤتي أكلها في هذا العهد (أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، حيث ظهر زعماء وطنيون ومصلحون دينيون واجتماعيون وعمت الطباعة وكثرت الجرائد،
(2) - التعريف بالأدب العربي لرئيف خوري، في الأدب الحديث لعمر الدسوقي)