دعوة الحق س2، ع6 مارس1959 ................... ص41
حول التجديد في قالب الشعر ومضمونه
بقلم: محمد محمود مقلد
تحية الإسلام مباركة طيبة
فيسعدني أن ابعث إليكم بكلمة أوحت بها الندوة التي أقامها المركز الثقافي العربي حول «الاتجاهات الحديثة في الأدب» والتي تركزت المناقشة فيها حول موقف الأدباء من القالب القديم والقالب الجديد للشعر العربي.
لقد استمعت إلى رأيين في هذا الموضوع: رأي ينتصر للقالب القديم لشعر، ويستمسك به، حفاظا على موسيقى الشعر ورنينه، وآخر يؤيد الشكل الجدي للشعر، استجابة لسنة التطور التي هي سمة العصر الحديث، ووقعت بين الرأيين على كلمة مركزة تنتصر للشعر أيا كان قالبه وشكله، ما دام مستوفيا لمقوماته الفنية.
وقد أحببت بكلمتي هذه أن أكشف عن بعض الجوانب في هذا الموضوع
هذا القالب الجدي الذي يتميز بالمرونة والحرية في عدد التفاعيل قد ابتكره شعراء عراقيون، وشاميون اشهرهم عبد الوهاب البياتي، وما لبث أن ذاع، واقبل عليه عشرات الشبان في مختلف البلاد العربية، ثم احتضنته الواقعية الاشتراكية حتى أوشك أن يصبح علما على شعرها، وان كان معظم القراء ينفرون منه وينصرفون عنه، لشدة خضوعهم للوزن التقليدي الذي يتطلب تساوي عدد التفاعيل في جميع أبيات القصيدة الواحدة، واعتقادهم أنه سهل يسير، وإن كانت هذه السهولة نفسها سببا في التهافت على النظم فيه، والإقبال عليه.
والحق أن كلا الفريقين مخطئ، فهذا القالب المرن سهل حقا غدا هم الناظم مجرد حشد العبارات المنظومة، ولكنه بالغ الصعوبة والامتناع إذا كان يطمح إلى الإجادة، ولا يحب أن يسقط أو يسف، فإذا تحرر الشاعر من القيد العددي للتفاعيل وجب أن يعوضه إتقان كبير للموسيقى الشعرية، ومقدرة على التنغيم المنوع، لا نجدها في معظم شعرائنا لأنهم لم يعتادوها، كما اعتادها شعراء الغرب، فقد ألفوا-منذ زمن طويل- الشكل التقليدي ذا التفاعيل المتساوية، والنسق الرتيب الذي لا يختلف من بيت إلى بيت.
أما غدا أجاد الشاعر هذا القالب المرن، وأتقنه، ومرن عليه، فإنه سيصبح خليقا بان يهدي إلى الشعر العربي حرية، واتساعا، وانطلاقا هو في اشد الحاجة إليها، فقد طال خضوعه للوزن المطرد، والتنسيق الحاد، والجرس الرنان. وبديهي أن الذوق البدائي وحده هو الذي يحب الجرس الحاد، والموسيقى الصاخبة، كما يحب الألوان الفاقعة-أما الذوق الناضج المهذب فيفضل أن يكوون التنظيم خفية هادئة، كما يفضل أن يكون اللون هادئا لطيفا غير صارخ.