عنده ... لأنه هو الذي يمثل في صفاء ألق الشمس ووضوحه استمرار تقاليد البطولة في تاريخنا الطويل .. ولن أستطيع أن أقول كل الذي أريده، إنما أحب أن أسمي لكم ثلاثة وأربعة من ابرز من عرفنا من رجالنا في هذه الفترة أو قريبا منها: العز ابن عبد السلام» 577 - 660 «والنووي» 631 - 676 «وابن تيمية» 661 - 728 «وتلميذه بعده ابن القيم» 691 - 751 «وآخرون كثيرون».
والحق أننا تعرف حياة هؤلاء يروعنا منهم في ضباب هذه الأحداث السود، هذا الضباب الكثيف الواطئ الذي يكاد يلامس الأرض ويغطي الطريق على السالكين- يروعنا منهم هذه الشخصية المتوثبة المتفجرة التي استطاعت بقوتها وصلابتها أن تعدى كل شيء حولها، وأن تحيل ضعفه إلى قوة وتخاذله إلى نصرة وتفرقة إلى وحدة، معاني الإنسانية المنكسرة فيها على مثل صورها السليمة الأولى.
ولم يكن هؤلاء الإعلام يستمدون ذلك من جاه موقت أو سلطان زائف .. لم تكن لهم أصول عريقة ولم يحملوا على أكتافهم شجرة أنساب وما احتملوا قط بما يحتمي به الناس، ظل أمير، أو نفوذ متسلط، وإنما نسخوا ظلال الامراء المبطلين وكشفوا زيف وجود السلطان الضال ... وقالوا على مسمع من الدنيا كلها: هذا لن يكون، فلما لم يستجب لهم السلطان طوعا استجاب لهم كرها.
» قيمة هؤلاء الإعلام أيها السادة في هذا السلوك المتفرد الفذ أنهم جسدوا أولا معاني البطولة التي أوشك أن يأتي الزمن، وانم تدفنها الأحداث بأيديها التي تقطر منها الدماء ... وأنهم أحيوا في نفوس العامة، نفوس الجماهير، من أقصى الأرض إلى أقصاها إيمانها العميق بأن السيطرة ليست للرغبات الضالة ولا للأهواء المنحرفة، وإنما هي: السيطرة الحكيمة العادلة- لله وحده ... فاستردت هذه الجماهير إيمانها، ولمعت لأعينها دائما من خلال هذا الإيمان صور المستقبل المزدهر صورة الربيع الذي تبشر به الطيور الصغيرة من خلال الضباب والسحاب والمطر المتساقط.
وقيمة هؤلاء الأعلام أنهم زرعوا الخوف في نفوس الظالمين ... وليس شيء يهدم الظلم مثل أن يداخله الخوف ...
وقيمتهم كذلك أنهم صححوا الطريق للمجتمع الهائم كله آنذاك ... أدركوا بداية الانحراف منذ فقد الناس ثقتهم بعد التهم، فارتدوا بهم إلى بداية الطريق ... عرفوهم أنفسهم وعرفوهم ربهم، قالوا لهم هذه سنن الله سنن الكون في الخلق، فليس لكم بعدها أن تهابوا أو تجزعوا .. فإذا هذا التحديد الرائع البسيط يؤتي ثمرته بعد حين في حركات الإصلاح التي تتالت بعد ذلك أول عصور النهضة.
كذلك كان من قيمة هؤلاء أيها السادة أنهم كانوا في سلوكهم تعبيرا عن دعوتهم ... أنهم لم يقولوا للناس قاتلوا ونحن هنا قاعدون، وإنما قاتلوا معهم .. ولم يتهوهم عن الإثم وهم غارقون في الإثم ... ولم يدفعونهم في حيث لم يندفعوا هو قبلهم ... إن سلوكهم كان كالشراب المصفى لا تلمح فيه قذى .. كان كصفاء العين، القذاة الصغيرة تفسد عليها الرؤية الصحيحة وتبعث فيها الدموع وتحيلها إلى عطاله، لا ترى، ولا يرى الناس منها إلا الجفن الغليظ الأحمر «.
من كل هذا ندرك كيف كان هؤلاء الأعلام يحملون معاني البطولة: بطولة الرأي والفكر، وبطولة الخلق والسلوك في هذه الفترة، وكيف حفظوا الشعلة المقدسة التي أوقدتها الجزيرة وأرادت الظلمات أن تطفئها ... إن معاني البطولة وسمات المثل الأعلى إنما بدت في هذه النماذج الفريدة من الناس .. وقد كنت أتمنى أن أسوق لكم بعض التفاصيل الأخرى من حياتهم ... ولكني أن جانبتها فلن أجانب الإشارة على ناحية أصيلة أولاها هؤلاء الأعلام اكبر اهتمامهم وتلك هي حسن تمثلهم للعقيدة وحفاظهم على صفاتها من كل زيغ طارئ أو شبهة دخيلة.
وكما كان الصفاء اللغوي غاية هؤلاء العلماء في علمهم العلمي ... كذلك كان الصفاء في العقائد والمثل الأعلى في السلوك غاية هؤلاء العلماء في اتجاههم الخلقي هناك حاربوا الدخيل اللغوي وهنا حاربوا الباطل العقدي ... والسياج الذي أقاموه حماية للغة أقاموا مثله حماية للعقيدة ... وألفوا هناك في الدخيل والأصيل والعربي والمعرب حتى يستوي للغة نقاؤها وألفوا هنا في البدع والضلالات وأسرار الباطنية حتى يستوي للعقيدة نقاؤها ... هناك حكموا على اللفظة الدخيلة والغريبة والضعيفة فاستبعدوها أو افترضوا وجوب استبعادها من أذهانهم وألسنتهم ... وهنا حكموا على الزيغ والانحراف والتلفيق واختلاف الباطن والظاهر وعرضوا روح الإنسان صافية بسيطة حتى يكون سلوكه كذلك صافيا بسيطا ... وهناك آمنوا بأن اللغة خيط الاستمرار لأنها تحمل الماضي كله لتنفح عن المستقبل كله، كذلك آمنوا هنا بأن العقيدة هي خط السير، وهي العاصم لهذا الخط أن ينحرف، فلا تتردى هذه الجماعة من جديد في حمأة الضعف ورذيلة الانحطاط.