العليا واحتفظوا بمثلها حية نابضة ليسلموها بعد لأجيال النهضة ... هو الذي يكشف لنا عن صور البطولة ففي سيرتهم تتمثل معانيها، وما كانت حياتهم إلا تجسيدا للمثل الأعلى الذي رسمت الحركة العربية مع الرسول الكريم ابعد ذراه «.
وإذا كان الشعر تبدي لنا، ونحن ننبش هذا التراث كالنبغة الجافة يشير مجراها إلى ماضيها الثر على حين تلهث الحصا فيها من ظمأ، ويتحرق التراب من جوع. فإن النبع في الحق لم يجف وإن كان كذلك بدا لنا ... أنه غاض هنا على ألسنة الشعراء والناثرين، ولكنما انبجس هناك في سيرة العلماء والمصلحين ... أنه تخلى عن ثوبه الفني ليتبدى في ثوبه الواقعي في سلوك هؤلاء الذين سنشير إليهم في صرامة هذا السلوك- وفي مواقفهم في أصالة هذه المواقف ونبلها، وفي حوادث حياتهم في ارتفاع هذه الحوادث عن المستوى النازل الذي كانت تتردى فيه الحياة .. وكيف يجف النبع ومن ورائه هذا الرصيد الفخم، من ورائه يمده سبعة أبحر، وسبعة قرون، من الحركة والفكرة ومن الدعوة والجهد، ومن التنمية والتنشئة، ومن الثقافة والعلم، ومن الحياة والغنى ... إن أوسع المغول، مغول كل عصر، أن يهدموا طاقا أو قصرا أو جسرا، ولكنهم لا يملكون أن يهدموا القدرة المستكنة على إبداع شيء مماثل ... بل لعلهم يتيحون للذهن الإنساني الحر أن يجدد في بنائه وان يتخلص من بعض عيوبه ... إنهم يستطيعون أن يحرقوا الكتب، ولكنهم لا يطفئون الأذهان، وقد تختل الذاكرة الفردية، ولكن ذاكرة الجماعة لا يمكن أن تختل أو تموت ... والذين أزعجوا العربي عن مكانته، وتنزلوا منزلته إنما أتاحوا له فترة من استجمام يستطيع معها أن يجمع نفسه، وان يرمم قواه لينطلق بعد انطلاقته الجديدة، وان يبدأ حركة الحفاظ والمقاومة من خذين القطرين المتجاورين المتكاملين في كل مراحل التاريخ، من الشام ومصر على السواء.
» وحين نأخذ أنفسنا بدراسة سيرة هؤلاء العلماء في هذه العصور تتمثل لنا مظاهر البطولة في ناحيتين اثنتين:
1) أولاهما في العمل العلمي الذي التزموه.
2) والأخرى في الخلق العلمي الذي احتلوه.
ومن تجاور العلم والعمل، الخلق والخلق كان نسيج البطولة التي رعاها هؤلاء العلماء.
1) أما عن العمل العلمي فما أحسب أن الوقت يتسع لأحدثكم عنه ... حسبي أن أذكركم بهذه الأفكار الشائعة التي تعرفونها من أن عمل العلماء في هذا العصر كان استيحاء لهذا التراث الذي دمره التتار في تحريق بخاري وتغريق بغداد، أو الذي انصرف عنه من جاء بعدهم ... كانت الموسوعات في كل جوانب المعرفة هي تجسيد هذا التراث، من جديد، صيانته، وتقريبه، والحيلولة بينه وبين أن يمتد إليه الضياع ... وبذل العلماء في مصر والشام وفي غير مصر والشام في هذا السبيل من الجهد ما يبعث على الإعجاب حقا ... كان معنى الحفاظ في الحياة العلمية هو الذي يملأ أذهان هؤلاء الأعلام ... والحفاظ أول مراحل المقاومة، وكان لهذا الحفاظ معناه الحضاري العميق، فأقبلوا عليه: جمعوا ودونوا وانشأوا هذه المؤلفات الفخمة إنشاء جديدا في تصنيفه وتبويبه «.
ولكني لن أترك هذا الحديث الذي تعرفونه عن الحفاظ العلمي قبل أن أشير على جانب هام منه يلفت النظر طيلة هذه الفترة من سقوط بغداد حتى عصر النهضة ... وذلك أن الحفاظ أولى صفاء اللغة أعظم اهتمامه ... والعجيب أنه رغم كل الأمواج الهادرة الطارئة على الحياة العربية، ورغم كل العناصر الدخيلة التي لم يقدر لها أن تعربت كما تعربت العناصر الغربية في العصور الأولى ... فإن عددا كبيرا من المؤلفات في الغريب والدخيل يعود إلى هذه الفترة، وعددا كبيرا من المعاجم والمراجع اللغوية إنما هو ابن هذه العصور ... لكأنما استيقظ في أعماق الجماعة آنذاك أن الصفاء اللغوي هو أول معاني الوجود المتميز ... وأن هذه اللغة التي وعت ثقافة الذهن البشري كله، إنما هي إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية نحو شرط جديد في الطريق الإنساني الرحب ... وأن كل حركة مقاومة للضغط أو استعلاء على الواقع السيئ يجب أن يكون لها جذورها العميقة في روح الجماعة، وما من شيء آخر يغذي هذه الروح ويثير عندها أبعد آمالها وأرفع مثلها ويجمع حولها الأغراض والأهداف كاللغة .. يحمل كل حرف منها حيث وجد من كل كلمة شحنة ضخمة من فكر وعاطفة ومثل.
ولست لأعدد لكم هذه الكتب اللغوية ولا العناية التي بذلت فيها حرصا على الصفاء اللغوي ... ولا ما كان من أثرها البعيد في ربط حلقات هذه السلسلة من تاريخنا، بل ومن وجودنا.
2) هذا عن العمل العلمي» أما عن الخلق والسلوك في حياة هؤلاء العلماء والآفاق الرفيعة التي كانوا يمتطونها إلى غاياتهم فذلك الذي أريد أن أقف بكم