تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتستطيع أن تلاحظ وأنت تقرأ مثل هذا الكلام في هذه الصحيفة، أن الغرض الذي تقصد إليه من ورائه، هو دعوة جميع المثقفين إلى التكتل حول وجهة نظرها هي، أو فكرتها هي. فإن لم يفعل المثقفون، فهم سلبيون لا خير فيهم، عاجزون، متخلفون عن الركب، إلى غير ذلك من الأوصاف التي قد يكون من بينها أحيانا الجبن، والخيانة، وسلسلة النعوت التي من هذا القبيل.

*

ولكنا لكي نفهم الحقيقة، ولكيلا تختلط علينا السبل، ولكيلا نترك أنفسنا نهبا لما نقرأه في هذه الصحيفة أو في تلك، ينبغي أن نعلم، أن من الواجب أحيانا وفي بعض الظروف الخاصة، أن يوضع خط أحمر، وعريض جدا، بسين الوطنية والسياسة. ذلك لأن الوطنية والسياسة قد تقتربان من بعضهما كثيرا أو قليلا، وقد تبتعدان عن بعضهما أحيانا حتى لا يكون ما بينهما غلا فراغ لا سبيل إلى سدهن وقد تلتقيان أحيانا أخرى حتى تكونا لحمة واحدة يصعب التمييز بين أجزائها. ولكن الوطنية دائما، وبالرغم من كل ذلكن شيء آخر غير الساسة. وأوضح فرق بينهما أن أهداف الوطنية ووسائلها واضحة دائما، وأن أهداف السياسة ووسائلها غامضة ملتوية، وقابلة دائما للتغيير.

ولنضرب لذلك مثلا، فنحن جميعا في المغرب كمواطنين ووطنيين، لا نختلف، ولا نشك إطلاقا في وجوب تحرير بلادنا من الاحتلال العسكري الأجنبي سواء كان فرنسيا أو اسبانيا أو أمريكا، ولا في وجوب العمل من أجل استرداد الصحراء المغربية، ولا في وجوب المساهمة بأكبر حظ ممكن في تقريب استقلال الجزائر، وتحقيق وحدة المغرب العربي، والعمل على تمتين الصلات مع بقية بلاد العروبة. كما لا نختلف في أن علينا أن نعمل بكل الوسائل من اجل ازدهار الاقتصاد الوطني، مقاومة البطالة، والنهوض بالمجتمع المغربي، وضمان التعليم والتربية الوطنية لكل الأطفال المغاربة الذين هو في سن الدراسة ...

ولكننا مع ذلك نختلف أشد الاختلاف وأعنفه وأقساه، في أشياء أخرى غير واضحة تمام الوضوح، في أذهان جميع المواطنين، إما لأنها لم تشرح بعد الشرح الكافي، وإما لأنها بطبيعتها غامضة ملتوية عسيرة على الفهم، ككل ما هو (سياسة) أومن قبيل (السياسة)

*

ولنعد الآن إلى الموضوع، لنحاول تحديد الدور الذي يجب على المثقف المغربي أن يضطلع به في بلاده في مثل هذه الظروف بالذات.

لقد حاولنا من قبل أن نرسم خطا واضحا بين الوطنية والسياسة حتى لا تختلط علينا المفاهيم، فإذا تم لنا رسم هذا الخط، أمكن لنا أن نعرف واجباتنا بالتحديد.

أما في ميدان السياسة فالمجال واسع للاختيار، وأما في ميدان الوطنية، فلا مجال للاختيار على الإطلاق.

فيما يتعلق بالسياسة، كل واحد حسر في أن يشتغل بها أو لا يشتغل، وكل واحد حر في أن يشتغل بها على هذا النحو أو ذاك. أما فيما يتعلق بالوطنية، أو بخدمة الأهداف الوطنية فنحن جميعا جنود. ولن يفر من الجندية، أو يهرب من الواجهة، أو يتخلف عن الزحف-خصوصا إذا كان قادرا- إلا من كان بحق جبانا خائنا متخلفا، من الذين قال فيهم الله تبارك وتعالى: رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع اله على قلوبهم فهم لا يعلمون.

دور المثقف كمواطن، وكمواطن يملك من القدرة على العمل والتمييز أكثر مما يملكه غيره من المواطنين، أن يكون دائما في طليعة الزحف، وفي مصاف القيادة يعالج مشكلات وطنهن ويتحمس لها، ويذكر بها باستمرار، ويعمل على تقريب المسافات إليها، وينصر الحقيقة ويجردها من الزحف والبهتان والتضليل خدمة لمواطنيه، بقلمه إن وجد السبيل إلى ذلك، وبلسانه في كل مجمع يضعه أو مكان يلتقي فيه بغيره.

*

وبعد، فإن أخطر ما يخيف في الحالة التي نعيشها منذ مدة، إننا انشغلنا عن قضايا الجلاء، والصحراء والجزائر، والتعريب، وغير ذلك من الأهداف الوطنية الصحيحة. انشغلنا عن الحركة نفسها بالنزاع حول من يصلح لقيادة المعركة. وإذا كان هناك من له كامل الحق في أن يسر من هذه الحالة، ويغتبط لها، ويجني ثمارها، فإنما هم خصومنا المستعمرون، الذين ذاقوا الأمرين من وطنيتنا بالأمس والذين يصفقون اليوم ارتياحا لانشغالنا عنهم وعن هذه الوطنية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٠٧