وقد سأل سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز: أجرير أشعر أم الأخطل؟ فقال له: أعفني. قال: لا والله لا أعفيك، قال: أن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرا وسع عليه إسلامه قوله، وبعد بلغ الأخطل منه حيث رأيت، فقال له سليمان: فضلت والله الأخطل.
وتقف هنا وقفة لنسأل: أكانت نصرانية الأخطل وسط الدولة الإسلامية لها أثر واضح في طبع شعره بطابع خاص؟ ونسأل كذلك: أكان للإسلام أثر ملموس في شعر الأخطل النصراني؟ والسؤالان ممتزجان يحملان في الحقيقة سؤالا واحدا، ولا معدى لمن يتحدث عن أحدهما من أن يتحدث عن الآخر.
أما نصرانية الأخطل فأغلب الظن أنها كانت عاملا واضحا في تضييق القول عليه كما لاحظ عمر بن عبد العزيز عند إجابته سليمان، وأنت إذا قرأت ديوان الشاعر كله لا تجده يتعرض للدفاع عن عقيدته عند ما يهاجمه خصومه ويعيرونه بها.
أما نصرانية الأخطل فأغلب الظن أنها كانت عاملا واضحا في تضييق القول عليه كما لاحظ عمر بن عبد العزيز عند إجابته سليمان، وأنت إذا قرأت ديوان الشاعر كله لا تجده يتعرض للدفاع عن عقيدته عند ما يهاجمه خصومه ويعيرونه بها.
فجرير ـ في النقائض ـ يقول له: ـ
ليس ابن عابدة الصليب بمنته أتصدقون بمار سرجس وابنه
ويقول فيها: ـ
حتى يذوق بكأس من عاداتي وتكذبون محمد الفرقان
وفي أخرى:
حجوا الصليب وقربوا قربانكم وخذوا نصيبكم من الخنزير
فإذا تصدى الأخطل للرد على الذين يتهجمون على الصليب والقربان ومار سرجس لم يستطع أن يبوح بما في نفسه فسكت على مضض، ورد على هاجيه يقول فيه ما يشاء إلا أن يتعرض للدفاع عن الصليب والقربان والخنزير، لا يستطيع الأخطل أن يرد إلا بمثل قوله: ـ
فانعق بضانك يا جرير فإنما
منتك نفسك أن تكون كدارم
منتك نفسك في الخلاء ضلالا
أو أن توازن حاجبا وعقالا.
وما كنت تنتظر منه أن يفعل غير ذلك والأخطل يعيش في ظلال عبد الملك الخليفة الأموي المسلم يأكل من نداه وبمرح في جاهه، وهو كذلك يعيش في وسط إسلامي خالص، لا يقدر أن يتمدح بالكنيسة والخنزير والصليب.
فنصرانية الأخطل وقفت في سبيله وأعجزته عن أن يناقض صاحبه، وإسلامية جرير وسعت عليه القول فطرق موضوعا يعلم تمام العلم أن الأخطل يصعب عليه أن يجول فيه.
ورب سائل يقول: لعل نصرانية الأخطل لم تكن عميقة في نفسه عمقا يظهر أثره في شعره، ولكن نصين هامين في الأغاني يدلان على تمسك الأخطل بعقيدته:
«قال له عبد الملك: إلا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف، قال: وكيف بالخمر؟ قال وما تصنع بها وأن أولها لمر وأن آخرها لسكر، فقال: أما إذا قلت ذلك، فإن فيما بين هاتين لمنزلة ما ملكك فيها إلا كعقلة ماء من الفرات بالأصبع. فضحك عبد الملك.»
وهذا النص وإن كان في ظاهره يدل على شغف الأخطل بالخمر إلا أن تعقله بدينه هو الذي منعه من الإسلام، فقد كان يستطيع ـ لو أراد ـ أن يسلم ويستطيع مع ذلك أن يشرب الخمر في خفاء.
والنص الآخر فيه أن القسيس حبسه في كنيسة دمشق لشتمه الناس فلما تشفع له شفيع لدى القسيس أخذ الأخطل يقول: «لست بعائد ولا أفعل واستخذى للقس حتى أطلق سراحه، فسأله الشفيع، يا أبا مالك، الناس يهابونك، والخليفة يكرمك، وقدرك في الناس قدرك في الناس قدرك، وأنت تخضع لهذا الخضوع وتستخذي له، فرد عليه: أنه الدين، أنه الدين».
وإذن فقد كان الأخطل متمسكا بعقيدته، وإنما الوسط الإسلامي الذي عاش فيه حال بينه وبين الدفاع عنها.
ونخرج من ذلك إلى السؤال الثاني فنبحث:
إذا كان الأخطل نصرانيا محبا لنصرانيته فهل يستطيع الإسلام ـ بعد هذا ـ أن يكون له أثر في أية ناحية من نواحي شعره؟