المصالح الإسلامية وأشد الأصناف حاجة لصرف الزكاة فيها باجتهاد الوالي واعتبار الأحوال التي طرأت على الأمة الإسلامية ويتجلى نظره هذا في موضوعين:
الأول النظر المصلحي فيما نصت عليه آية الصدقات، فمن المعلوم أن المؤلفة قلوبهم قوم من أشراف العرب كان رسول الله يتألفهم على أن يثبتوا على الإسلام فيرضخ لهم الصدقات حيث كان في المسلمين قلة، ولما جاء مالك في عنفوان الدولة الإسلامية وسيادتها قال: لا مؤلفة اليوم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: بل حق المؤلفة باق إلى اليوم إذا رأى الإمام ذلك، وهذا تفويض منهما للإمام؛ قال ابن رشد في كتابه "بداية المجتهد": قال مالك لا حاجة إلى المؤلفة اليوم لقوة الإسلام، وهذا كما قلنا التفات منه إلى المصالح. فالإمام مالك ينفي أولا وجودهم وينفي ثانيا الحاجة إليهم، وفي ضمن ذلك يعتبر نص آية الصدقات عليهم حاجة ماسة كانت موجودة وقت ضعف الإسلام، ثم زالت بقوته وسيادته حيث تغير الحال.
والموضوع الثاني في صرف عامة الزكاة في ناحية واحدة إذا اشتدت حاجة المسلمين إلى الإنفاق في تلك الجهة ويستند مالك في هذا لأمرين:
الأول عمل والي المسلمين، والثاني نظر المرضيين ممن أدركه من أهل العلم، ففي كتاب الموطأ قال مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت فيه الحاجة والعدد أُوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام فيوثر أهل الحاجة والعدد حيث كان ذلك، وعلى ذلك أدركت من أرضى من أهل العلم.
ومن العلوم أن سبيل الله باب واسع، فالغازي يحل له أن يتجهز من الزكاة لأنه ساع في سبيل الله؛ قال القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي شارح بلوغ المرام: ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة من مصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتدريس وإن كان غنيا، وأدخل أبو عبيد من كان في مصلحة عامة في العاملين عليها، وأشار إليه البخاري حيث قال: «باب رزق الحاكم والعاملين عليها»، وأراد بالرزق ما يرزقه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين كالقضاء والإفتاء والتدريس فله الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا، قاله الصنعاني. وفي شرح المواق عند قول خليل «ومجاهد والله ولو غنيا»؛ روى ابن وهب: لا يأخذ الفرس المعطى في السبيل إلا من يعلم من نفسه القوة على التقدم للأسنة. ولم ينقل اللخمي غير قول ابن الحكم: يجعل من الزكاة نصيب في الحملان والسلاح ويشترى منها القسي والمساحي، أي آلات الهدم والحفر، والحبال وما يحتاج إليه لحفر الخنادق والمنجنات للحصون وتنشأ منها المراكب للغزو وكراء النواتية (أي العاملين في مراكب البحر) ويعطي منها للجواسيس الذين يأتون بأخبار العدو مسلمين كانوا أو نصارى، ويبني منها حصن للمسلمين، وأرى كل ذلك داخلا في عموم قوله وفي سبيل الله» هـ كلامه.
فأنت ترى أن مصارف الزكاة في نظر هؤلاء الأئمة تناولت كثيرا من المشاريع والأعمال المدنية والاستعدادات الحربية، وهذا ما يفسح أمام المسلمين آفاقا فسيحة الأرجاء على أساس جباية الزكاة الشرعية لتنظيم شؤونهم وجمع شملهم وتقوية شوكتهم ويفتح في وجوه المخلصين باب الإصلاحات الاجتماعية الكبرى وسد الحاجات الضرورية القصوى بفضل جبايات الزكاة مما يجبر كسر هذه الأمة ويقربها ماديا ومعنويا، فإن الإسلام دين اجتماعي مظهره العام تكافل جماعته بمختلف الوسائل وتعاونها على ما فيه الصالح العام طبق ما يرشد إليه قول الله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على اُلإثم والعدوان» صدق الله العظيم والله يقول الله وهو يهدي السبيل.