تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في ظلال السنة الوارفة

الحافظ محمد جعفر صادق

عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَكْرَمِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؟ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ». (1)

معنى الحديث: روى عن على بن أبى طالب رضي الله عنه، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أرشدك يا على بن أبى طالب إلى أفضل الخصال الذي يجعل صاحبه أكرم وأعز في الدنيا والآخرة وهى: أن تسلك مع قريبك بالمحبة وحسن السيرة وهو يرغب عنك وتقوم بإحسان من أساء إليك وأن تعرض عمن جار عليك.

شرح الحديث: من المعلوم أن الإسلام ولو أباح جزاء حسنة بحسنة وسيئة بسيئة لكن يحث الناس دائماً على أكرم الخصال الحميدة وأسمى الأخلاق الكريمة التي كان لها دور كبير في الإصلاح الاجتماعي والإنساني وكان النبي -عليه الصلاة والتسليم- متصفا بجميع مكارم الأخلاق التي هي قطب الرحى في نشر الدين وبناء المجتمع الصالح والتي أشار الله تعالى إليها إجمالا في قوله: [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] (2)

فبعد نزول هذه الآية قام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن مضامينها ومرادها وهم أكثر الناس معرفة بالنبي عليه السلام وألصقهم به صلة وهن زوجاته الطاهرات -رضي الله تعالى عنهن- اللواتي كن يعرفن عنه كل صغيرة وكبيرة فكانت تجيبهم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بإجابة بليغة موجزة فتقول: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ». (3)

فالخصال الثلاثة المذكورة في نفس الحديث اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم كأكرم الأخلاق وأفضلها في الدنيا والآخرة وأيضا كانت من سجاياه الأخلاقية وسيرته العملية التي لازمته في حياته كما لا يخفى لدى أرباب المعرفة عن سيرته الطيبة.

الأول: صلة الرحم، وهى قيام الرجل بإيتاء ذي القربى حقه وإحسانه في السراء والضراء ومواساته عند المصيبة ولو يقطعه ويرغب عنه وهى أهم المسؤولية الإنسانية والإيمانية قد أكد الله تعالى عليها في القرآن الكريم ورغب الأمة فيها نبيه -عليه الصلاة والتسليم- قال تعالى: [وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ] (4) أي يسأل بعضكم بعضا بالله فيقول أسألك بالله أن تزورني أو تكرم عشيرتي مثلا والأرحام أي اتقوا الأرحام فلا تقطعوها وقد روى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِيْ رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِيْ أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». (5) ومعنى ينسأ له في أثره أي يؤخر له في أجله وعمره ومن المعلوم أن الزيادة في العمر كناية عن البركة فيها بسبب التوفيق إلى طاعة الله وعمارة وقته بما ينفعه ويقربه من مولاه تعالى وحاصله أن صلة الرحم سبب للتوفيق لمرضاة الله وحفظ الأوقات عن الضياع في غير رضاه فيبقى بعد الذكر الجميل فكأنه لم يمت وأما مكافأة قريب بمثل ما أحسن فليس بصلة الرحم كما قال عليه السلام: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِيْ إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا». (6)

الثاني: إعطاء الرجل لمن حرمه أي القيام بإحسان ومساعدة من أعرض عن الإحسان والإعطاء له وحسن سلوكه فإحسانه وتعاونه ومواساته في الرزية يعد من أكرم الأخلاق الإسلامية والشمائل النبوية وقد وجد عديد من الواقعات المشتملة على هذه الصفة الكريمة في سيرته العملية.

الثالث: العفو عن الظلم والجرم وهو من أفضل الأخلاق النبوية، كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ملك صفح وإذا قدر عفا وما انتقم من عدو ولو استطاع ذلك. ألم يقل لأهل مكة يوم الفتح -وهم الذين آذوه وأخرجوه وحاربوه حتى في بلده الجديد المدينة- «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». (7)

وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدَ فِيْ سَبِيلِ اللهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلاَّ أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلهِ عز وجل. (8)

وقد روى كثير من الأمثلة الرائعة للعفو عن الأعداء الألداء وعدم الانتقام في حياته النموذجية كما روى في واقعة فتح مكة أنه عليه السلام لما نزل مكة المكرمة سنة ثمان من

[البقية: صفحة 7.2]

(1) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8/188

(2) القلم:4

(3) مسند أحمد 1107 (26044)

(4) النساء:1

(5) صحيح البخاري 78/12 (5986) وصحيح مسلم 4/6 (6688)

(6) صحيح البخاري 78/15 (5991)

(7) السنن الكبرى للبيهقي 57/99 (18739)

(8) صحيح مسلم 44/20 (6195)

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرق · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرقص ٥