تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنسانية والظروف الراهنة

أنيس الرحمن محمود

الحمد لله الذي حثنا على التعاون فيما بيننا على البر والتقوى وحرضنا على نصر المستضعفين والصلاة والسلام على حبيبه وعلى آله وصحبه الذين بذلوا قصاري جهودهم المشكورة في هذا المجال وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد!

فلقد أراد الإسلام منذ فجره أن مجتمع الركب الإنساني مربوط بحبل واحد قوي متماسك ليكون حياة أفراده موفورة بالرخاء والسعادة ومغمورة بالأمن والسلام يشارك في الأفراح والأحزان، يتعاضد ويتكاتف في جميع شؤون الحياة كلها حتى يصير الإنسان إنسانا كاملاً، توجد فيه الإنسانية بأكمل معناها على وجه خاص. شاء الإسلام أن يطبع علاقة المؤمنين وطيدة بأخوة الإيمان حتى يصيروا كبنيان مرصوص يشد بعضهم بعضاً وكجسد واحد إذا اشتكى عضو من أحد أعضائه اشتكى له سائر جسده فأفرض لهم روابط شتى وجعلها من أسباب سعادة المجتمع ورقيه فمن تلك الروابط التي اهتم الإسلام بتقويتها، إغاثة الملهوفين والمصابين والتعاون فيما بينهم والاعتناء بحقوقهم من حقوق الإسلام والجار وصلة الرحم وما إلى ذلك.

ووقع الحث والتحريض على أمثال هذه الخصائل المحمودة الفاضلة بأوسع نطاق في القرآن والحديث والتاريخ الإسلامي المجيد مملؤاً بأبهى صورها وأجمل حللها مما لا يمكن ذكرها في هذا النطاق خوفاً للإكثار والإملال.

مع الرغم من ذلك -إمعان النظر وتعمق في التفكير- بالحديث المكتوب أدناه يتضح لك أهميتها العظمى، أن خديجة ل تتسلى النبي الأكرم صلي الله عليه وسلم حين حكي لها ما حدث له بالغار في بدء الوحي من دهشة وإعجاب ومن خوف تلف النفس فقالت له متسلية: "كَلاَّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ". (1)

فيا رائد الأمة! فكّر وتأمل أين أنت؟ وأين موقفك؟ وما هو الأوضاع المأساوية الرهيبة لأفراد الركب الإنساني ومجتمعهم على وجه المعمورة؟ إنك إذا تلفت الأنظار إلى دورنا الراهن المتلوث الفاتر فهل ترى إلا وقد وصل إلى غاية حضيض الانحطاط، فقدت فيه الإنسانية وشعورها، إنك اما تفقد الأحوال بنظرات ثاقبة فاحصة تجد دونك قائمة رائعة مليئة بالمصابين والمنكوبين الذين بخسوا حظوظهم الدنيوية وقسي عليهم القضا والقدر وعاشوا بحياة تعسة بما أصابهم بكوارث متعاقبة متجددة وأكبّهم بنكبات ساحقة ماحقة، مالهم من جريمة ولا ذنب، طافت بهم سائر المصائب بغير اختيارهم، بلغت منهم القلوب الحناجر، تهز كيانك وتحرق مشاعرك وتجعلك حيران عند مشاهدة أوضاعهم المخيفة المفزعة.

1. إذا تلتفت يمنة ويسرة ترى كثيراً من الناس قذراً، رث الهيئة يطوفون في الشوارع والطرق وعلى المنازل والحوانيت والمقاهي والأندية، يقرعون كثيراً من الأبواب فحينا بباب واحد وحينا بباب آخر، يدورون ويجولون ويستطيعون صرخة ويمدون أكف المسألة أمام الصغار والكبار لأجل لقمة العيش ويسمعون كثيراً من قوارص الكلم، لا وقار لهم عند أحد ولا عز ولا يعبأ بهم أحد ولا ينظرون إليهم نظر رأفة ورحمة وعطف وحنان بل أنت وكل متنعمي الدنيا يعاملوهم بأقصى ازدراء واحتقار، (فكيف تؤاسيهم وكيف تمكنهم بجوار عطفك وحنانك وأنت تملأ معدتك من الطعام الشهي ومن الخبز الدافئ وصحبتك العافية الوارفة وغمرتك النعم الوفيرة من بين يديك وخلفك).

2. وترى عصابة من المنكوبين والمتضررين في جانبي الشوارع وفي الأسواق والساحات الفارغة يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال ويذوقون كثيراً من المتاعب والعناء، يذوقون شدة الحرارة حين يشتد وهج الشمس ومرارة البرودة في مواسم الشتاء والأمطار ومرارة الوحدة، يستقذرهم الناس برثاثة هيئتهم، ليس لهم مساكن بهيجة وملابس جميلة وأشياء مرافقة للحياة، يرقدون على الأسرة البيضاء تحت سقف السماء، يصيحون ويصخبون لكسرة خبز جاف ردئ، يصارعون الموت جوعا وعطشاً كل الأحيان، مع الرغم من ذلك أن الكثير منهم يحتضنون إلى حضن المنية بمصادمة الحاملات والسيارات بدأ ستهم ودفعتهم فجأة على نواحي الطرق.

(فواهاً لمن لا يتلهف على أسوء حالهم فكيف تبادر إلى هؤلاء البؤساء وأنت تسكن في غرفة مؤنقة مزودة بالتسهيلات

(1) صحيح البخاري 1/3 (3)

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرق · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هذا بلاغ للناس - بلاغ الشرقص ١٧