الحكيم: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] (1) وانطلاقا من هنا لقد ثبت أن كل لغة محترمة وكل لسان يعد من أقوى أدوات الدعوة إلى الله تعالى. بل اختلاف الألسنة من آيات الله, وهي وسيلة كبرى للهداية والاهتداء إلى الصراط المستقيم والاستنارة من الفكر السليم, كما جاء في التنزيل من حكيم حميد: [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ] (2) ومن الحقائق الملموسة أن جزءا كبيرا من الأدب البنغالي حافل بالمعاني الدينية والمشاعير الإسلامية منذ أمد بعيد, لأن بنغلاديش التي يعيش فيها معظم المتكلمين باللغة البنغالية أكبر دولة مسلمة ثانية في العالم من ناحية كثافة السكان, وأما من يقيم في خارج هذه الدولة المسلمة متكلما باللغة البنغالية ومتذوقا بآدابها الشائقة من بين سكان بعض ولايات الهند والمغتربين أوالوافدين في مشارق الأرض ومغاربها فأكثرهم مسلمون أيضا.
لكن هذه اللغة وآدابها وإن صارت معروفة في صعيد العالم خاصة منذ فوز الشاعر الهندوسي البنغالي ربيندرنات طاغور جائزة نوبل للآداب في عام 1913م, لا تحتل مكانة قوية بين آداب الشعوب الإسلامية, رغم أنها تحمل في طيها ثروة بيانية وروائع فنية وطرائف أدبية كبيرة من المنظور الإسلامي نثرا وشعرا تضاهي النماذج الراقية في آداب الشعوب الأخرى بل قد تفوقها أحيانا, ومن المؤسف الشديد أن قراء الأدب الإسلامي المعاصر وكتابه يحرمون باتا من هذه الثروة الأدبية النفيسة ولا يعلمون عنها ما يعلمون عن الأدب الأوردي, الأدب التركي, الأدب الفارسي, الأدب الأمازيغي وغيرها من آداب الشعوب الإسلامية, وذلك لقلة ترجمة الأدب البنغالي على اختلاف النصوص والفنون نثرا وشعرا إلى اللغة العربية خاصة وإلى لغات الشعوب الإسلامية الأخرى بصفة عامة, وهذه المسؤولية كانت على عواتق العلماء والكتاب والأدباء الإسلاميين باللغة البنغالية أولا قبل الآخرين. نحن الذين يدعون الالتزام الإسلامي في الآداب والفنون ويقدرون على المقارنة بين الإسلامي وغير الإسلامي كان يجب علينا أن نتقن في لغة أمنا البنغالية وآدابها ونسبر غورها, فنجمع أحسنها وأروعها ونكتب دراسات مقارنة ونعد بحوثا نقدية, وبالتالي نترجمها إلى اللغة العربية خاصة ولغات الشعوب الإسلامية الأخرى عامة فضلا عن لغات العالم.
وإن الكتاب والباحثين والنقاد الذين يقومون بدراسات مقارنة بين آداب الشعوب الإسلامية لا يعرفون عن هذا الأدب الغني إلا في النادر وذلك أيضا عن بعض الشعراء البنغاليين القلائل نحو ربندرانات طاغور ونذر الإسلام وفروخ أحمد, كما نرى المؤلف الكبير محمد قطب في كتابه الشهير "منهج الفن الإسلامي" حيث ذكر بعض أعمال ربندرنات طاغور كنماذج شعرية معترفا بأنه ليس مسلما والطابع الهندوكي واضح فيه شديد الوضوح, فيقول: "فهناك نقط التقاء كثيرة بين طاغور وبين المنهج الإسلامي.. نقط التقاء جزئية كلها, ولكنها تكفي لإيجاد روابط المودة بينه وبين هذا المنهج, بحيث يذكر معه- في حدود هذا الالتقاء!" (3) وفي الحقيقة أن هناك عددا هائلا من الأدباء والشعراء الإسلاميين الذين ساهموا بقسط وافر في الأدب البنغالي وإن مساهماتهم الأدبية القيمة تتمكن من إثراء مكتبة الأدب الإسلامي العالمية إلى حد كبير.
فالعلاقة بين آداب الشعوب الإسلامية وثيقة جدا لا شك فيها, ومن مظاهر تلك العلاقة وحدة الإيمان والثقافة, وحدة الفكر والتصور والتاريخ المشترك بين الأدب العربي والآداب الأخرى, لأن الأدب العربي هو الدوحة الكبرى, والآداب الإسلامية أغصان وفروع, حتى يلاحظ فيها التقارب في الشكل الفني والصور الشعرية, فأغلب عروض الشعر في الآداب الإسلامية مستمد من العروض العربي. (4) أما اللغة البنغالية فقد تزامن تطور هذه اللغة ونموها مع دخول الإسلام في هذه المنطقة (5) أيضا، حتى برزت فرعاً متميزاً قبل أن يحكم المسلمون البنغال بنحو ثلاثمائة سنة، وازدهرت من حيث هي أدب إقليمي زهاء قرن ونصف القرن بعد الفتح الإسلامي.
وفي الحقيقة أن الهندوس كانوا في البداية يستنكفون أن يتكلموا بهذه اللغة؛ لأن المسلمين هم الذين قاموا بتطويرها. (5) وهم الذين تكلموا بها في البداية تحت حكام أسرة بال البوذية. (6) وأنفة الهندوس للمسلمين وللغاتهم مشهورة. والشخص المتمكن من اللغات إذا سافر البنغال الغربي -التابع للهند حالياً- وسافر بنغلاديش يلاحظ فرقاً كبيراً من حيث كثرة الكلمات العربية والفارسية. (7) والأردية في كلام أهل بنغلاديش، بخلاف أهل البنغال الغربي، فإنه سيلاحظ هناك كثرة الألفاظ السنسكريتية نتيجة الترك المتعمد للألفاظ العربية والفارسية والأردية، فكانوا يستبدلون بها ألفاظاً سنسكريتية أو محلية. (8)
أما الاتجاهات الإسلامية في اللغة البنغالية وآدابها فهي موضوع طويل, يحتاج إلى دراسات جادة وبحوث عميقة, وكذلك للدراسة المقارنة بين آداب الشعوب الإسلامية مجال رحب ينتج عن عوامل التأثير والتأثر والتداخل بين تلك الآداب, فقد تأثرت اللغة البنغالية بالإسلام واستفادت
(1) إبراهيم:4
(2) الرُّوم:22
(3) منهج الفن الإسلامي, محمد قطب, دار الشروق-بيروت, ط 4, عام 1400هـ/19800م, ص/200
(4) انظر: كتب وقضايا, للدكتور/ حسين علي محمد, دار الوفاء-اسكندرية, د ت, ص/18
(5) ينظر: الدكتور مهر علي: The History of the Muslims of Bengal ص30
(6) انظر ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية (8/189)
(6) انظر: تاريخ تطور ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة البنغالية ص(6)، و كتاب الشيخ إي كي إيم نذير أحمد: دخول الإسلام في بنغلاديش ص(20ـ22). وانظر أيضاً ما جاء في الجريدة الأسبوعية "عرفات" مقالة عبدالرحمن، 19/فبراير، 1969م ص (37)
(7) دخلت الكلمات الفارسية والعربية والتركية بغزارة إبان حكم الحكام المسلمين لبنغال، حتى أصبحت جزءاً من اللغة البنغالية, فأسهمت الفارسية بنحو 2500 كلمة في مفردات البنغالية بصفة عامة، وبنحو 2000 كلمة أخرى في مفردات المسلمين الذين يقطنون الجزء الجنوبي الشرقي خاصة. أما الألفاظ العربية فدخولها باللغة البنغالية كانت بكثرة، وقد كتبت عدة رسائل في تأثير اللغة العربية على اللغة البنغالية في عدة جامعات. انظر: بحث "الاهتمام بالسيرة النبوية في اللغة البنغالية: عرض وتحليل".
(8) انظر تفصيل الكلام عن ذلك في دائرة المعارف الإسلامية (8/187)