الحكمة من تقديم الأولاد في الذكر على بقية الوارثين
وكذلك فإن الله عز وجل في هذه الآية في قوله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، قدم الله عز وجل فروض الأولاد على فروض غيرهم من الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، وكذلك الزوج والزوجة؛ لأن الأولاد هم أحوج الناس إلى المال بخلاف غيرهم، وذلك أن الزوجة ترث من غير الزوج، فإن لها أباً ولها أماً، وكذلك بالنسبة للزوج مع الزوجة بخلاف الأبناء، فغالباً التركة تكون من الأبوين، فذكر الله سبحانه وتعالى الأولاد اهتماماً بهما مع أن حق الأبوين أولى من حق الأولاد في البر، ولكن لما انقضى أجل الوالد، لما انقضى أجل الابن بالنسبة للوالدين لم يكن حينئذ اتجاه إلا إلى المال، والمال متعلق بالحاجة، فلما كانت حاجة الأولاد أعظم من حاجة الوالدين؛ فإنه يتوجه في ذلك إلى الاهتمام بهما, فإنه يغلب على الأبناء الضعف، وربما كان فيهما قصر بخلاف الوالدين فالغالب فيهما الكمال وتهيئة النفس قبل بلوغ العجز والهرم بالادخار والكفاية من الدور ومن الأوقاف، أو ربما من الكفاية من أمور البساتين، وغير ذلك مما يبقى للإنسان بخلاف من كان ناشئاً. فتوجه هذا الأمر إلى الاهتمام بالأولاد قبل غيرهم من الوارثين, وذلك أن الأبناء يسبقون الابن عادة بالتهيئة للنفس وكفايتها في أمر الدنيا، والإخوة يقارنونه من جهة العناية بها ويساوونه غالباً، والأبناء هم أحوج الناس إليه, فقدمهم الله عز وجل على بقية الوارثين, فقال الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].