سبب ذكر الله تعامل الذين في قلوبهم زيغ مع المتشابه دون ذكر تعامل المؤمنين
وفي قوله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، ذكر الله سبحانه وتعالى الإحكام والتشابه، ثم ذكر الذين في قلوبهم زيغ، وما ذكر الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا قبل ذلك؛ لأن الأصل في الذين آمنوا أنهم يتبعون المحكم ويحيلون المتشابه إليه، حتى يتضح لهم ذلك الأمر، ثم أيضاً فيه إرجاع إلى أن الأصل في سليم القلب الاتباع، وأن مرض القلب إنما هو طارئ ناشئ، فلا حاجة إلى التقسيم، فنقول حينئذٍ: إن المرض ليس قسيماً للصحة، وإنما هو شيء شاذ عنها، فذكر الله سبحانه وتعالى الذين في قلوبهم مرض وما ذكر الذين آمنوا في مقام إنزال الكتاب؛ لأن القلب السليم لو لم يسبقه إيمان فإنه يتبع؛ لأن هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها. ولهذا نقول: إن الله جل وعلا حينما ذكر الزيغ والمرض قبل النظر في كتابه؛ بين أن المرض قد وجد في قلب الإنسان قبل أن ينظر في القرآن: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران:7] يعني: وجد الزيغ قبل أن ينظروا في كلام الله، وأما إذا كان القلب سليماً وليس بمريض، ونظر في القرآن فإنه لا يمكن أن يتبع المتشابه؛ لأن المحكم بين، ولهذا الأمراض لا يجعلها ولا يوجدها القرآن في قلب الإنسان، وإنما يزيلها إذا صدقت نية الإنسان، وإذا كان الإنسان في قلبه مرض، ثم نظر في القرآن فاتبعه فإنه يتبع المتشابه؛ لأنه يبحث عما يؤيده.