تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخلَصَ الإنسانُ فِيه؛ لِقوْلِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "مَن عمِلَ عمَلًا ليْس علَيه أمرُنا فهُو ردٌّ" (١).

إذنْ: الأعمالُ الصَّالحاتُ لا بُدَّ أنْ تتَضمَّن شيئين، وهُما: الإخْلاصُ للهِ، والمُتابَعةُ لرَسولِ الله -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ -.

وقولُه تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ هذِه الجُملَةُ خبَرُ إنَّ؛ وقدْ نقولُ: إنَّ تقدِيمَ الجارِّ يدُلُّ على الحَصْرِ؛ أيْ: لهُم لا لِغيرهم مِن المُكذِّبين أو الفاسقين أجْرٌ؛ أي: ثوابٌ. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ رحمه الله: [غيرَ مَقطُوعٍ] بلْ هُو دائِمٌ كَما قال تَعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] وقِيلَ: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مَمنُونٍ بِه؛ أي: يُعطُونه بلا مِنَّةٍ، وهَذا محُتَملٌ.

وإذا كان محُتَملًا ولا يُنافي المَعنَى الأوَّلَ كان المُرادُ بالآيَةِ المَعنَيَيْن جمِيعًا؛ إذْ لديْنا قاعِدةٌ في التَّفسيرِ -وكذَلِك في الحدِيثِ- مُهِمَّةٌ، وهِي إذا كان النَّصُّ يحتَمِلُ معنيَين لا يُنافي أحدُهُما الآخَرُ فإنَّ النَّصَّ يُحمَلُ عليهِما جميعًا؛ وذلِك لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يَعْلَم ما يَحتَمِلُه كلامُه، وكذَلِك الرَّسولُ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - فَلَمَّا لم يُعيَّن أحدُ الاحتِمالَين وجَبَ أنْ يكُونَ شامِلًا لهُما، لكِن إذا كان أحدُهما أرجَحَ منَ الآخَرَ فإنَّه يتْبَعُ الأرْجَحَ؛ ولهِذا نقُولُ: يُقدَّمُ ظاهِرُ النَّصِّ على تأويلِ النَّصِّ، والتَّأويلُ هو اتِّباعُ المَعنَى المَرجُوحِ.

إذنْ: قَولُه تَعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي: ثَوابٌ غيرُ مقْطُوع، وثوابٌ غيرُ ممْنُونٍ به.

(١) أخرجه مسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، رقم (١٧١٨)، من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

تفسير العثيمين: فصلت · الصفحة ٥٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: فصلتص ٥٢