والعلماء يقررون أن الطاعات تكفر المعاصي، وهذه المعاصي على قول جمهور العلماء تكفر الصغائر، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والصلوات الخمس كفارة لما بينهما)، وهذا ظاهر أيضاً في عموم قول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، فالحسنة تذهب السيئة، والحسنة الكبيرة تذهب الصغيرة. لكن ما هذه المقادير التي يرجع إليها في تفسير الطاعات؟ يرجع إليها بحسب أصلين: الأصل الأول: بتقدير وصف الشارع لها. الأصل الثاني: بحسب ما يقع في قلب الإنسان من تعظيم لذلك العمل أو وجل منه وخوف، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح في حديث حميد، ويرويه عن حميد ابن شهاب الزهري قال: أعجب حديثين سمعتهما أو بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثني بها حميد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها, لا هي أطعمتها، ولا هي جعلتها تأكل من خشاش الأرض)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه كان فيمن كان قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط، فقال لأبنائه: إن أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح, فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين)، وهذا الأمر عمل متباين، وكلها ذنوب، وهذا أوجب دخول النار، وهذا أوجب دخول الجنة, وهي بذاتها معصية؛ لماذا؟ لأن الذي فعل الذنب الأول كانت معصيته عظيمة؛ لوجود ضعف حضور القلب في هيبة تلك المعصية وهو حبس الهرة، وهذا شيء قليل، وكذلك في حال الإنسان الذي لم يعمل خيراً قط، أي: أنه فعل الشر كله، فإذا قلنا أنه لم يفعل خيراً قط فما بقي للجوارح أن تعمل؟ يبقى المعاصي، وحينئذٍ فعل الشر كله من غير عد ولا تحديد, ومع هذا كان قلبه وجلاً ومقبلاً، وكانت تلك صغائر.
شرح إعتقاد سفيان الثوري · الصفحة ٦٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح إعتقاد سفيان الثوريص ٦٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي