تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

...

وقلت: الوجه الأول أقضي لحق البلاغة، ولهذا اختاره المصنف؛ لأن قوله: (ولم يمسسني بشر): حال مقررة لجهة الإشكال، وردت على الكناية عن النكاح الحلال مقرونة بأخرى لإرادة التقسيم الحاصر، فيفيد أن علقمة الولد ومظنة حصول الغلام عرفا، إنما يكون بطريق النكاح أو السفاح، وما لم يوجدا كيف يتصور وجوده؟ لكن في تعليله جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه، حزازة؛ لأنه جاء في آل عمران ولم يرد به هذه الكناية، بل العبارة الجيدة أن يقال جعل المس عبارة عن النكاح في هذا المقام لوقوعه قرينة لقوله: (ولم أك بغيا) لإفادة التقسيم الحاصر.

فإن قلت: كيف طابق قولها: (ولم أك بغيا) قوله: (لأهب لك غلاما زكيا)، فإنه نفي كل الريبة والتهمة بقوله: (زكيا)؟

قلت: كأنها من فرط تعجبها وغاية استبعادها نبذت الوصف وراءها ظهريا، وأتت بالموصوف، وأخذت في تقرير نفيه على أبلغ وجه، أي: ما أبعد وجود هذا الموصوف مع هذه الموانع، بله الوصف! وهو قريب من الأسلوب الحكيم.

ولما كان الاهتمام بشأن النفي في الثاني أتم "آثرته"، كأن الإيذان بأن انتفاء الفجور لازم لها، وبعيد أن تتصف بما يخالف العفة؛ لأنها كانت من بيت العفة ومعدن الطهارة، ألا ترى إلى قولهم: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) [مريم: 28]؟ وبهذا ظهر أن قول من قال: إن هارون كان رجلا صالحا أخا لها هو القول.

قال الراغب: كأن ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقا بوصف له تنبيه على أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك، كقوله تعالى: (وكان الإنسان كفورا) [الإسراء: 67].

وقلت: وقد جاء في فرد من أفراد الجنس باعتبار وصف يجعله كالجنس، نحو: (ما

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٩ · الصفحة ٥٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٩ · ص ٥٩١