تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأدعي فضلا عليكم في الغنى، حتى تجحدوا فضلى بقولكم: (وما نرى لكم علينا من فضل)، ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم (ولا أقول إني ملك) حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا،

أولها: قالوا: (ما نراك إلا بشرا مثلنا) [هود: 27]، أرادوا: أنك لست ملكا حتى تكون رسولا، ولئن سلم عدم استحالة الرسالة للبشر لم تكن أنت أحق بها منا، وذلك أنهم جزموا على أن الرسالة مقصورة على الملكية، وحين ادعاها استبعدوها وأنكروها، ولذلك أجابوه بما يجاب به المنكر من إيتاء (ما) و (إلا)، وأجاب عنه بقوله: (ولا أقول إني ملك)، يعني: مع أني أدعي النبوة لا أدعي الملكية، لأن البشرية غير قادحة في النبوة، لأن من حق الرسول أن يباشر أمته بالدليل والحجة، ثم بالهداية إلى طريق الحق، لا بالصورة والخلقة، فمن كان كذلك كان أحق بالنبوة كائنا من كان، وإليه الإشارة بقوله: (ولا أقول إني ملك) حتى تقولوا لي: ما أنت إلا بشر مثلنا.

وثانيها: قالوا: (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) [هود: 27]، يعني: لو كنت نبيا لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، وأجاب بقوله: (ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا)، يعني: ليس الشرف والرفعة بالحسب والمال، بل الشرف إنما يحصل بإيتاء الله العبد خير الدارين بسبب الإيمان والإخلاص، كقوله تعالى: (يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) [الأنعام: 52، والكهف: 28]، وإليه الإشارة بقوله: "إن الله لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة لهوانهم عليه".

وثالثها: قالوا: (وما نرى لكم علينا من فضل) [هود: 27]، أي: مال وجاه، يعني: لو كنت صادقا لكنت شريفا حسيبا، وكأن الأشرف عندهم من له جاه ومال، وأجاب بقوله: (ولا

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٨ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٨ · ص ٦١