تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قلت: كيف جاز أن يدخل النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلت: لأن فيه معنى النهى، إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك، فلذلك جاز: لا تطرحنك، (ولا تصيبن)، ولا (يحطمنكم). [النمل: 18].

فإن قلت: فما معنى "من" في قوله: (الذين ظلموا منكم)؟ قلت: التبعيض على الوجه الأول، والتبيين على الثاني، لأن المعنى: لا تصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس.

.

قوله: (كيف جاز أن تدخل النون المؤكدة): قال أبو البقاء: "يضعف ذلك؛ لأن جواب الأمر للشرط، وجواب الشرط متردد، فلا يليق به التوكيد. وأجاب بقوله: لأن فيه معنى النهي". وهو من قول الزجاج، قال: "هذا الكلام جزاء، فيه طرف من النهي، إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك، يكون جوابا للأمر بلف النهي، فإذا أتيت بالنون الثقيلة أو الخفيفة كان أوكد للكلام". يعني: لما عدل من الإخباري إلى الإنشائي لضرب من المبالغة بالتأول ناسب لذلك إضافة التأكيد. وهذا لا يقال إلا في أمر يتردد فيه القائل لفظاعته، كما في الفتنة والدابة الجموح.

قوله: (التبعيض على الوجه الأول): أي: على أن يكون جوابا للأمر، ومحله نصب على أنه بدل من (الذين ظلموا)، وعلى أن يكون صفة أو نهيا: "من" بيانية، وهو المراد من قوله: "التبيين على الثاني"، وإلى هذا ذهب القاضي أيضا.

قوله: (لأن المعنى): تعليل لكون "من" بيانية، أي: إذا كان المراد من التركيب: لا يصيبنكم العقاب خاصة على ظلمكم، كان (منكم) تفسيرا ل (الذين ظلموا)، أي: لا يصيبن الظالم الذي هو أنتم.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٧ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٧ · ص ٧٦