فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: (إن هذا لسحر مبين) على أنه سحر،
ويعضده ما مر في أول السورة يونس في قوله تعالى: (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم) إلى قوله: (قال الكافرون إن هذا لساحر مبين) [يونس: 2]، قال المصنف: "هو دليل عجزهم واعترافهم به"، والمعنى: ثم بعثنا من بعدهم موسى إلى فرعون وملئه بالمعجزات، فلم يلتفتوا إليها، واستكبروا، ثم لما تبين لهم بعد ذلك حقيقته، عاندوا وقالوا: (إن هذا لساحر مبين)، وأجابهم عليه السلام بقوله: (أتقولون للحق لما جاءكم)، وصرح بالحق.
قوله: (هم قطعوا بقولهم): توجيه السؤال: كيف أوقع (أسحر هذا) مقولا لقوله: (أتقولون) على الاستفهام، وأنهم لم يقولوا: (أسحر) على الاستفهام، بل قطعوا فيه القول، حيث صدروا الجملة ب (إن) وأدخلوا اللام في الخبر؟
وأجاب عنه بأوجه:
أحدها: أن يكون قوله: (أتقولون) كناية عن العيب والطعن؛ لكونه واقعا في مقابلة طعنهم وعيبهم، واللام لبيان المطعون فيه- كما في قوله: (هيت لك) [يوسف: 23]، و (للرؤيا تعبرون) [يوسف: 43]-، ثم جاء بقوله: (أسحر هذا)؛ تقريرا لقولهم: (إن هذا لسحر مبين) واستجهالا لهم، ما يشبه هذا السحر، وإنه لحق ثابت قاهر في الحجة، والسحر باطل، وصاحبه غير فائز بالبغية، كما قال الزجاج: "والمفلح الذي يفوز بإرادته، أي: كيف يكون سحرا، وقد أفلح الذي أتى به، أي: فاز في حجته".