(فلما جاءهم الحق من عندنا): فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، (قالوا) لحبهم الشهوات: (إن هذا لسحر مبين) وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلا تمويها وباطلا.
وقلت: العجب أنه نسب إلى المصنف ما هو عنه بريء، ثم قام مجادلا يغضب عليه، ولم يدر أنه سلك مسلك التذييل والاعتراض، ألا ترى إلى قوله في تفسير قوله تعالى: (ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) [البقرة: 92]: "يجوز أن يكون (وأنتم ظالمون) حالا، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، وأن يكون اعتراضا؛ بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم"، فلذلك اتخذتم العجل من بعده إلها، ويقال في هذا المقام: كان عادتهم الإجرام وركوب الآثام العظام، فلذلك استكبروا.
وإنما فسر (مجرمين) بآثام عظام؛ لأن الكافر إذا وصف بالفسق أو الجرم أريد التمرد في الكفر، والتناهي فيه.
قوله: (فلما عرفوا أنه هوا لحق، وأنه من عند الله): قال صاحب "الفرائد": لا دلالة في الكلام على أنهم عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون، وإنما علم هذا المعنى في موضع آخر، وهو قوله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) [النمل: 14]، إلا أنه من حقه أن يعرف أنه الحق بأدنى تأمل، وليس بسحر لبعده عن السحر.
وقلت: ما أوضح دلائله، وهو أن قوله: (الحق) مظهر أقيم موضع المضمر من غير لفظه السابق- والمراد منه الآيات السابقة في قوله: (إلى فرعون وملئه بآياتنا)، وهي الآيات على الاستعارة؛ ليدل على غاية ظهوره وشدة سطوعه، حيث لا يخفى على من له أدنى مسكه، ولا يستقيم قولهم: (إن هذا لساحر مبين) جوابا لقوله: (فلما جاءهم)، إلا على حمل الحق على المعجزات، لأن هذا الكلام يقوله العاجز عندما قهرته الحجة، وبهرته سلطانها، ولا يبقى له متشبث.