أصدق من الله قيلا): توكيد ثالث بليغ. فإن قلت: ما فائدة هذه التوكيدات؟ قلت: معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيبا للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد الله، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان.
[(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا* ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا)].
في (ليس) ضمير وعد الله، أي: ليس ينال ما وعد الله من الثواب (بأمانيكم ولا) ب (أماني أهل الكتاب)، والخطاب للمسلمين؛ لأنه لا يتمنى وعد الله
قوله: (توكيد ثالث بليغ)؛ وذلك أن الجملة تذييل للكلام السابق، والتذييل مؤكد للمذيل. وأما المبالغة فمن الاستفهام وتخصيص اسم الذات الجامع وبناء أفعل وإيقاع القول تمييزا. وكل ذلك إعلام منه بأن حديثه صدق محض، وإنكار أن قول الصدق يتعلق بقائل آخر أحق منه.
قوله: (معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة) إشارة إلى بيان النظم، يعني: كما أوقع قوله: ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ تذييلا لقوله: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا﴾ الآية، أوقع قوله: ﴿وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا﴾ خاتمة لقوله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية؛ ليوازي بين الوعدين، ويقابل بين الترغيبين فيختار المؤمنون الأعمال الصالحة على ما يدعو إليه الشيطان بأمانيه الباطلة ومواعيده الكاذبة، فيتخلصوا من غصص إخلاف مواعيده بما يفوزوا به من إنجاز ما وعدوا من الله تعالى الذي هو أصدق القائلين. ثم وازن بين قوله: ﴿وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ وبين قوله: ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ من جهة وضع المظهر موضع المضمر فيهما ومن النفي المستفاد من الاستفهام وما إلى غير ذلك ليتحقق المعارضة.