(فإن زللتم) عن الدخول في السلم (من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم، (حكيم) لا ينتقم إلا بحق. وروي: أن قارئا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابى فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه. وقرأ أبو السمال (زللتم) بكسر اللام، وهما لغتان، نحو: ظللت وظللت.
[(هل ينظرون إلا أن ياتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور)].
إتيان الله إتيان أمره وبأسه كقوله: (أو ياتي أمر ربك) [الأنعام: 158] .......
قوله: (فإن زللتم): عن الدخول في السلم)، قال الزجاج: يقال: زل يزل زلا وزللا ومزلة، وزل في الطين زليلا، أي: تنحيتم عن القصد والشرائع.
قوله: (فلا يقول كذا الحكيم)، أوقع طفلا يقول" جزاء للشرط على تأويل الإخبار، يعني: إن فرض وقدر أن هذا الذي قرأه القارئ كلام الله فأنا أرده وأخبركم بأن لا يقول كذا الحكيم، يعني: من كانت أقواله وأفعاله محكمة متقنة لا يقع فيهما خلل ولا زيغ، فحمله الناس على المعاصي بعيد؛ لأنه زيغ وإضلال، فقوله: "لا يذكر الغفران": استئناف على سبيل التعليل. ونحوه ما حكي عن الأصمعي أنه قال: كنت أقرأ " (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) [المائدة: 38] والله غفور رحيم"، وبجنبي أعرابي فقال: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد، فأعدت، قال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: (والله عزيز حكيم) فقال: أصبت، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: من أي شيء علمت؟ قال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.