تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(هديا بالغ الكعبة) [المائدة: 95]، والمراد به الحرم؛ لأن البيت عينه لا تراق فيه الدماء، وأما حجة الشافعي رحمه الله فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحصر بالحديبية ونحر بها وهي ليست من الحرم، ولأن المحصر سواء كان في الحل أو الحرم مأمور بنحر الهدي، وأول درجات المكلف أن يكون له التمكن من الفعل المأمور به، ولأنه تعالى إنما شرع التحلل للمحصر ليتخلص من الخوف في الحال، ولو فرض ضرب يوم أمار لطالت عليه المدة، لاسيما إذا أحصر بعيدا من الحرم، وفات المقصود من شرعية هذا الحكم، ولأن الموصل إلى الحرم هو الخائف، فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف وربما لم يجد الغير ليبعثه فيتأثم لذلك.

وقلت: والذي يقوى به مذهب الإمام قوله تعالى: (فما استيسر من الهدي) أي: تيسر، كما تقول: استعظم واستصعب، في: تعظم وتصعب، فإذا كان الله عز وجل بنى أمر الهدي نفسه على السهولة والتيسير، كيف يشدد في محله وموضع نحره؟ ولا ارتياب أن أمر المرض وأذى الرأس أيسر من الإحصار، وقد بني الأمر فيهما على التخيير والسعة، حيث قال: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من راسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) إيذانا بأن الأمر على التساهل وعدم الحرج.

والحاصل: أن المحل في قوله تعالى: (حتى يبلغ الهدي محله) مجمل؛ لأنه مشترك في الزمان والمكان، والقرينة المبينة للمكان: بلوغ الهدي، باعتبار قوله: (هديا بالغ الكعبة) وللزمان: فعل النبي صلى الله عليه وسلم والأمر بالتيسير، والثاني أولى؛ لأن قوله: (هديا بالغ الكعبة) نازل في أمر غير الإحصار، وأما تأويل الآية فهو أن قوله: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) حكم مستقل، والجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء، المعنى: شرعية الإحصار: وجوب ما استيسر من الهدي، وشرعية الحلق: بلوغ الهدي محله، أي: وقت حله أو مكان حله، وهو ما عينه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد علم أنه حلق حيث أحصر.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٣ · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٣ · ص ٢٨١