إلا أن قوله: (إلا دعاء ونداء) لا يساعد عليه، لأن الأصنام لا تسمع شيئا ..
وقلت: مراده أن هذا الوجه فيه احتمالات: أن يكون تشبيها مفرقا والآخر تمثيلا، والاحتمال الأول مردود لفقدان التقابل بين المشبه والمشبه به، والثاني مقبول؛ لأنه غير مشروط بذلك.
وقلت: إذا أريد المركب التمثيلي لابد من ذلك؛ لأن المراد أن داعي الأصنام لا يرجع من دعائها إلى شيء ما، وأنها أدون حالا من البهائم لأنها تسمع دعاء ونداء وهي لا تسمع شيئا قط، كقوله تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم) [فاطر: 14]، فإذا لم يوجد في الممثل ما للممثل به تفوت هذه الدقيقة؛ لأن الواجب في التمثيلي أن يقدر للممثل ما للمثل به من الحالة المتوهمة المنتزعة من أمور، ولو احتمل منها شيء احتمل التمثيل، اللهم غلا أن يجعل التشبيه مركبا عقليا كما اعتبر المصنف في قوله تعالى: (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم) الآية [البقرة: 265]، حيث قال: "ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله"، المعنى على كونه مركبا عقليا: ومثلهم في دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه كمثل الناعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وهذا أحسن الوجوه المذكورة في "الكتاب"، وأوفق لتأليف النظم، وذلك أن العاطف في قوله: (ومثل الذين كفروا) يستدعي معطوفا عليه، ولا يحسن أن يعطف على جملة قوله: (وإذا قيل لهم اتبعوا) الآية، حسنة إذا عطف على قوله: (لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) على سبيل البيان، فيكون المراد بالذين كفروا آباءهم، وضعا للمظهر موضع المضمر للإشعار