أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه لأن المنافق متوقف متردد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب. وقال عليه السلام: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).
قوله: (أو بمعنى الكثرة) عطف على قوله: ((هو مبالغة))، والفرق بين الكثرة والمبالغة: أن الكثرة تفيد صدور هذا المعنى من الشخص مرارا كثيرة، والمبالغة لا تستدعي المرات، بل المراد أن الشخص في نفسه بليغ في كذبه، كأنه بمنزلة مار كثيرة. قال في سورة ((مريم)): ((الصديق من أبنية المبالغة كالضحيك، والمراد كثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، أو كان بليغا في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق)).
قوله: (ومن قولهم: كذب الوحشي) عطف على قوله: ((ومن كذبه الذي هو نقيض صدقه))؛ فعلى هذا هو استعارة تبعية واقعة على التمثيل لقوله: ((لأن المنافق متوقف متردد في أمره))، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المنافق)) إلى آخره. والحديث أخرجه مسلم والترمذي؛ والرواية: ((كالشاة)) قال التوربشي: العائرة أكثر ما تستعمل في الناقة وهي التي تخرج من الإبل إلى أخرى ليضربها الفحل، ثم اتسع في المواشي.
قوله: (بين الغنمين) أي: ثلتين، فإن الغنم اسم جنس. أي: المنافق يتردد بين الثلتين فلا يستقر على حال، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين كالشاة العائرة التي تطلب الفحل.
قلت: وفيه أيضا معنى سلب الرجولية عنهم، وتصوير شناعة فعلهم.