فإن قلت: ما المراد بقوله: (وما يخدعون إلا أنفسهم)؟ قلت: يجوز أن يراد
قوله: (فإن قلت: ما المراد بقوله: (وما يخدعون إلا أنفسهم)) [البقرة: 9] يعني أنك فسرت ((يخادعون الله)) بما فسرت. فما معنى (وما يخدعون إلا أنفسهم) والمخادعة إنما تكون بين اثنين، فكيف يخادع أحد نفسه؟ وأجاب عنه بوجوه ثلاثة أحدها: أن قوله: (وما يخدعون إلا أنفسهم)، ذكر لمشاكلته ((يخادعون الله)) المراد به الاستعارة كما سبق، أي: لما كان ذلك مبنيا على المفاعلة، جعل الذي من طرف واحد مثله، روما للمشاكلة. قال الواحدي: فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله (يخادعون الله) أجرى الثاني على الأول، طلبا للتشاكل.
وقال المرزوقي في قول الطائي:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي
لما قال في آخر البيت: ((ماء بكائي)) قال في الأول: ((ماء الملام)) فأقحم اللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) [الشورى: 40] فالثانية جزاء وليست بسيئة، فجاء باللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، فكذا ها هنا، لما كان خداع أنفسهم- أي: إيصال الضرر إليها- مسببا عن تلك المخادعة المشبهة بمغافلة المخادعين ومصاحبا له، قيل: يخادعون، فجاء باللفظ على اللفظ.
وثانيهما: أن يراد حقيقة المخادعة الواقعة بين اثنين، لكن على أسلوب التجريد. قال ابن الأثير: إنهم يجردون من أنفسهم شخصا آخر، ثم يخاطبونه كخطاب الغير. قال الأعشى: