تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل. والهمزة وأم مجردتان لمعنى الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا

هذا التقدير على غير المتعارف، فإنه قال في قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق) [البقرة: 42]: إن ((الواو)) بمعنى الجمع، أي: لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كمسألة السمكة، لكن المعنى يعود إليه، لأن المنهي في الظاهر في قوله: ((لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن)) هو الأكل والشرب على منوال (فلا يكن في صدرك حرج) [الأعراف: 2]، ولا أرينك ها هنا، وإنما المنهي المخاطب بأن يجانب الأكل والشرب على أبلغ وجه، وقد علم جواز الانفراد، فتوجه النهي إلى الجمع لما يورث الداء المحذر منه.

وأما بيان الجمع، فهو ما قال صاحب ((الضوء)): هذه ((الواو)) تسمى واو الجمع، وهي بمعنى ((مع))، لأن المراد: لا تأكل السمك مع شربك اللبن، وله أن يأكل كل واحد منهما على حدة، وليس له أن يجمع بينهما في وقت واحد، وإن أردت أن تكفه عن كل واحد منهما، قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم، والفعل بعدها مع ((أن)) المضمرة منصوب المحل على أنه مفعول معه كما في قولهم: ما صنعت وإياك. ونحوه في ((الإقليد)).

قوله: (((والهمزة)) و ((أم)) مجردتان) شروع في التفسير على طريق يؤكد معنى الجواب، لأن معنى ((الهمزة)) و ((أم)) أيضا من جنس الكلام المهجور؛ يعني أن همزة الاستفهام تفيد شيئين: السؤال والاستواء، فإنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ كان المعنى: أخبرني أيهما عندك؟ و ((أخبرني)) سؤال، و ((أيهما عندك)) يؤذن بالاستواء، ألا ترى أن المجيب بأيهما أجاب كان مصيبا في الجواب.

قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظر، لأنهما لو كانا للاستواء لما أخبر عنه ب ((سواء))، فلعل

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ٢ · ص ١٢٤