ومنه قوله عز وجل: (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) [الحجر: 2] ومعناه: معنى كم، وأبلغ منه وقول القائل:
قد أترك القرن مصفرا أنامله
وتقول لبعض قواد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رب فارس عندي. أولا تعدم عندي فارسا، وعنده المقانب: وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه. ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين
قوله: (قد أترك القرن مصفرا أنامله)، تمامه:
كأن أثوابه مجت بفرصاد
القرن: مثلك في الشجاعة. مصفرا أنامله: كناية عن القتل. ومج الماء من فيه: رمى به، الفرصاد: التوت. يقول: أترك قرني في المعركة مقتولا ملطخ الثوب بالدم. أراد بالتقليل في قوله: "قد أترك القرن"، التكثير لمقام المدح.
قوله: (المقانب)، الجوهري: "المقنب: ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل".
قوله: (ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين)، وذلك أن العكس في الكلام إنما يصار إليه للمبالغة، والمتكلم إنما يتمكن منه إذا لم ينازع فيما عكس فيه، وأنه كالمجمع عليه بقرائن الأحوال، ولذلك قال: وتقول لبعض قواد العساكر، وعليه قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: 2].