تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرئ: (ما تؤمر به). فإذا قلت: لم شاوره في أمر حتم من الله؟ قلت: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، فيثبت قدمه ويصبره إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، وليعلمه حتى يراجع نفسه فيوطئها ويهون عليها، ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله؛ ولأن المغافصة بالذبح مما يستسمج؛ وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك. فإن قلت: لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟

قلت: كما أري يوسف عليه السلام سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحي إلى أبيه، وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول المسجد الحرام في المنام، وما سوى ذلك من منامات الأنبياء؛ وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين مصدوقين؛ لأن الحال إما حال يقظة أو حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد إحداهما.

[﴿فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين﴾ 103 - 111].

يقال: سلم لأمر الله، وأسلم، واستسلم، بمعنى واحد، وقد قرئ بهن جميعا؛ إذا انقاذ له، وخضع، وأصلها من قولك: سلم هذا لفلان؛ إذا خلص له. ومعناه: سلم

قوله: (المغافصة)، الجوهري: غافصت الرجل؛ إذا أخذته على غرة.

قوله: (لو شاور آدم الملائكة) يعني أن الملائكة مع أنهم طعنوا فيه بقولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: 30] لو استشيروا لنصحوا أو ظهرت له من كلامهم أمارة دلت على الترك.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ١٣ · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ١٣ · ص ١٨١