وأن يعطف على (فضلا)، بمعنى: وسخرنا له الطير. فإن قلت: أى فرق بين هذا النظم وبين أن يقال: (ولقد آتينا داود منا فضلا)؛ تأويب الجبال معه والطير؟ قلت: كم بينهما! ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى؛ من الدلالة على عزة الربوبية، وكبرياء الإلهية؛ حيث جعلت الجبال منزلة منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا؛ إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته. (وألنا له الحديد) وجعلناه له لينا كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل: لان الحديد في يده لما أوتى من شدة القوة. وقرئ: (صابغات) وهي الدروع الواسعة
قوله: (وأن يعطف على ﴿فضلا﴾، قال الزجاج: حكاه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء، وهو كقوله:
علفتها تبنا وماء باردا
وإليه الإشارة بقوله: ((وسخرنا له الطير))، وعن بعضهم: يجوز أن يكون منادى كأنه قال: أدعو الجبال والطير.
قوله: (كم بينهما)، أي: من فرق. ونحوه تعالى: ﴿فقال لهم الله موتوا﴾ [البقرة: 243] بدل: أماتهم الله، وقوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: 65] بدل: مسخهم قردة. وهو أمر على سبيل التسخير، وفائدته غاية التأديب.
قوله: (وناطق وصامت)، تفسير لقوله: ((حيوان وجماد)).
الراغب: النطق في التعارف: الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان، ولا يكاد يقال إلا للإنسان، ولا يقال لغيره إلا على سبيل التبع، نحو: الناطق والصامت، فيراد بالناطق: ماله صوت، وبالصامت: ما لاصوت له.