ولكن: أمثل هذا عرشك، لئلا يكون تلقينا (قالت كأنه هو) ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل. (وأوتينا العلم) من كلام سليمان وملئه: فإن قلت: علام عطف هذا الكلام، وبم اتصل؟ قلت: لما كان المقام الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت بما أجابت به مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم: (وأوتينا العلم) نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو: قد أصابت في جوابها وطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة الله
قوله: (لئلا يكون تلقينا)، يعني: إنما عدل نبي الله عن السؤال الذي فيه إيهام إلى قوله: ﴿أهكذا عرشك﴾ [النمل: 42]، ليوقعها في ورطة الحيرة، إذ لو صرح بقوله: أهذا عرشك؟ كان قد لقنها بذلك، وحين كانت جازمة بأن ذلك عرشها، وكان لها أن تقول: بل هو هو، فعدلت إلى قولها: ﴿كأنه هو﴾ لرجاحة عقلها، لتبقي الاحتمال الذي قصده نبي الله.
قوله: (ولم تقل: هو هو، ولا: ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل). الانتصاف: وفي نكتة حسنة، وإن كانت كاف التشبيه في السؤال والجواب، فحكمته أن "كأنه" عبارة من قوي عنده الشبه، وكادت تقول: هو هو، و"هكذا هو" عبارة جازمة بتغاير الأمرين، حاكم بوقوع الشبه بينهما، فالأول أشبه بحال بلقيس.
واعلم [أن] "كأن" مركبة من كاف التشبيه و"أن"، على ما قالوا: "الأصل في قولك: كأن زيدا الأسد": أن زيدا كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت الهمزة، ليكون داخلا على المفرد لفظا، والمعنى على الكسر، بدليل جواز السكوت عليه، فلا يكون قولك: "كأن زيدا أسد" غير التشبيه، لتوكيد مضمون الجملة ب "أن" المؤكدة، بخلاف "زيد كالأسد".
قوله: (وطبقت المفصل)، وعن بعضهم: الرجل إذا أصاب الحجة يقال: طبق