تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن قلت: لم قال: (قرة أعين) فنكر وقلل؟ قلت: أما التنكير فلأجل تنكير القرة، لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه، كأنه قيل: هب لنا منهم سرورا وفرحا. وإنما قيل (أعين) دون عيون، لأنه أراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم، قال الله تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) [سبأ: 13]، ويجوز أن يقال في تنكير (أعين): إنها أعين خاصة، وهي أعين المتقين.

(أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما) [الفرقان: 76].

المراد يجزون الغرفات؛ وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصارا على الواحد الدال

قوله: (ويجوز أن يقال في تنكير ﴿أعين﴾، عطف على قوله: "أما التنكير فلأجل تنكير القرة"، وفي هذا العطف على الجواب بعد السؤال الثاني نوع بلاغة، فإنه لما أجاب عن سؤال التنكير بقوله: أما التنكير فلأجل تنكير القرة فهم أن المضاف تابع للمضاف إليه، وكان المراد من التنكير في المضاف التفخيم والتعظيم، فنكر المضاف إليه لذلك، أي: سرورا لا يكتنه كنهه. ولما أجاب عن سؤال البناء وأن "أعين" جمع بنيت للقلة ليؤذن به إلى تقليل صاحبها وهم المتقون، قال: "إنها أعين خاصة"، والتنكير تنكير التقليل، ليناسب البناء في التقليل، كأنه قرة أعين الشكور من عباد الله.

الانتصاف: والظاهر أن المحكي كلام كل واحد من المتقين، أي: يقول كل واحد منهم: اجعل لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وهذا أحسن من تأويله، فإن المتقين، وإن كانوا قليلين، فهم كثيرون في أنفسهم، وقلتهم بالنسبة إلى غيرهم. والمعتبر في جمع القلة أن يكون الشيء قليلا في نفسه لا بالنسبة.

قوله: (وهي العلالي في الجنة)، الجوهري: العلية: الغرفة، والجمع: العلالي، وهو فعلية مثل مريقة، وأصله: عليوة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت، وهي من: علوت.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) · الجزء ١١ · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)ج ١١ · ص ٣٠٣