فتح باب التوبة للمجرمين، وفسح بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.
قوله: (وفسح بأنواع الرخص)، قال القاضي: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم ولا عذر لهم في تركه، أو على الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم لقوله: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم"، وقيل: ذلك بأن لهم من كل ذنب مخرجا، بأن رخص لهم في المضايق، وفتح باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العبادات.
وقلت- والله أعلم-: قد أسلفنا أن في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير) ترقيا من الأخص إلى الأعم، والآية جامعة لأنواع العبادات، فيكون عطف قوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده) عليها إرشادا إلى السلوك والعروج إلى مقامات العارفين، والتحري للتخلص من الركون إلى الغير، وفي تعقيب قوله: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) إزاحة للموانع من طلب الكمال، كما قال القاضي: لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، يؤيده قوله تعالى: (هو اجتباكم)، وقوله: (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا)، يعني: أن الله تعالى اصطفاكم، وهو مدحكم قديما وحديثا، وجعلكم في العقبى شهداء على الناس، وإليه ينتهي توليكم، فلا تحبوا سفساف الأمور وقد هيأ لكم معاليها، وخصكم لنفسه تعالى، وهو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير.
فقوله: (هو اجتباكم) استئناف لبيان علة الأمر بالاجتهاد. روى السلمي عن ابن عطاء: الاجتبائية أورثت المجاهدة، لا المجاهدة أورثت الاجتبائية، وكذا قوله