جرى على صورته من الزلات ، فإن المؤمن إذا باشر معصية ندم ، وغص بتلك المعصية له ، وصار مراما منغصا بندامته ، ويذوب قلبه رجاء ربه ، وكانت معصيته طاعة ، وعدهم بالجنات ، وقلوبهم في جنات المشاهدة ، فكيف يلتفتون إلى الجنة؟
ووعدهم بالمساكين الطيبة ، وهم ساكنون بأرواحهم في مشاهدة جماله وقربه ووصاله ، ويجري عليهم واردات لذة خطابه ، ولذيذ لطائف نوره ، وطابت نفوسهم في مساكن طاعاته ، باسترواحهم بنسيم مروجه رجاء وصاله ، وطابت عقولهم بدورانها في أنوار آياته ، وطابت قلوبهم بشهودها على مشارب صفاته ، فتشرب منها شربات المحبة ، وتسكر برؤيتها بنعت الحيرة.
وطابت أرواحهم بطيرانها في سبحات ذاته ، بأجنحة رضوانه ، فهي تعلق أبدا إلى مساكن كشف قدمه ، وجلال سرمدية رضوانه الأكبر ، بتنسم صبح الصفات في وجوه الهائمين في محبة مشاهدة الذات.
يا أخي هؤلاء في الدنيا في طيب مساكن الوصلة ، وجنات عدن القربة ، وما داموا ها هنا في هذه الغربة ، وجدوا ما يعاين لأهل الوعد ، فلا يبالون بالغد ، فإن قلب جميع المساكن لا يكون إلا برؤيته وجماله ، ومن أدرك ذلك كيف يلتفت إلى حسن النظر ، وطيب المسكن؟ ، وإن كان في موضع وحش ، وأنشد :
تمنيت من حبي بثينة أننا على مدمت في البحر ليس لنا
وفي كل موضع لم يكن مما وصفنا به أثر فهو خراب مستوحش وإن كان الجنة
أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم إذا غبتم عنها ونحن حضور
وإني لأهوى الدار ولا يستقرني بها الرد إلا أنها من دياركا
ويقال :
قوم يطيب مسكنه بوجود عطائه وقوم يطيب مسكنه بشهود لقائه
وقال الأستاذ : أمارة هذا الرضوان ، وجدان طعمه فقدا ، فهو في روح الأنس ، وروح الأنس لا تتقاصر عن راحة دار القدس ، بل هو أتم وأعظم ، ثم حث نبيه عليه السلام ، بجهاد من حاله يخالف حال هؤلاء ، حتى يطهر وجه الأرض من الأغيار ، وذلك من غيرة الجبار على أهل تلك الدار.
بقوله : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) (1).