تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأيضا خفافا بالتجريد عن الحدثان ، وثقالا بأنوار التوحيد إلى جمال الرحمن.

وأيضا خفافا بنعوت الافتقار ، وثقالا بكسوة غنى العزيز الغفار ، وأيضا خفافا بالقناعة ، وثقالا بالتوكل ، وأيضا خفافا بالبسط ، وثقالا بالقبض.

قال ابن عطاء : خفافا بقلوبكم ، وثقالا بأبدانكم.

وقال أبو عثمان : خفافا وثقالا في وقت النشاط والكراهية ، فإن البيعة على هذا وقعت. كما روي عن جرير بن عبد الله قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنشط والمكره.

وقال بعضهم : خفافا إلى الطاعات ، وثقالا إلى المخالفات ، وجاهدوا بأموالكم للفقراء ألا تمنعوهم حقوقهم ، وجاهدوا بأنفسكم الشياطين ؛ كيلا تستولي عليكم.

( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43))

قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) إن من سنة الله سبحانه إذا أراد أن يفتح كنزا من كنوز غرائب علمه ، ونوال قربه ، ولطائف وصلته على أحد من أحبائه وأصفيائه وأنبيائه ، أوقعهم في محل الامتحان ، وأجرى عليه زلة من زلل الحدثان ؛ حتى يضيق صدره بالغيبة ، ويذوق قلبه مرارة الفرقة ، وتذوق روحه من الندامة ، ويطيح عقله من حشمة العتاب ، ويزول شبحه من دار الاحتجاب ، فيطلع الله شمس عزة جلاله من مطلع قلبه ، ويتنسم صبح الوصال من مشرق روحه ، وتبدو أنوار الصفات من روازن أسراره ، وتشرق سبحات الذات في أرض فؤاده ، وتتنور مجامع عقله بظهور سنا أفعاله ، فيرى العبد في البسط بعد القبض مشاهدة بديهية ، ووصلة أبدية ، وخطابا سرمديا يطير بأنوارها في الازال والاباد ، وتصير ذلته زلفى ، وذنبه كشف وصلة ، ويقابل الله من ذنبه لجميع حسنات العالمين ؛ لأنه مصطفى في الأزل بمحبته ، ومجتبى بنوال قربه في القدم ، وتكون سيئاته حسنات ، وزلاته زلفات ؛ لأنه مختار الله في أرضه ، وعروسه بين عباده ، جميع حركاته تقع حسنة ، وأفعاله تكون عند الله مستحسنة ، وهكذا شأن الأحباب ، المحب يعتذر لزلة حبيبه ، ويعشق على غيرة معشوقه ؛ لأن من كان حسنا ، فما يبدو منه أيضا يكون حسنا :

فإن نطقت جاءت بكل ملاحة    وإن سكتت جاءت بكل جميل

ملاحته ، وحسن وجهه يعتذر لذنبه في وجه شافع يمحو إساءته عن القلوب بالمعاذير :

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد    جاءت محاسنه بألف شفيع

ما حطك الواشون عن رتبة    عندي وما ضرك مغتاب

كأنهم أثنوا ولم يعلموا    عليك عندي بالذي عابوا

عرائس البيان في حقائق القرآن · الجزء ٢ · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرائس البيان في حقائق القرآنج ٢ · ص ٢٠