تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بلائه يجازيه بلقائه الذي لا حجاب فيه ، ولا عذاب ولا حساب ، قال تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ).

وأيضا أعلم من الله حقائق المكاشفات والمشاهدات والقربات ودقائق علومه الغيبية ، ومن كان بهذه الصفة لا يضع حمل مطاياه إلا في فناء عطاياه حتى يفعل ما يشاء.

قيل في المثل : عطاياه لا تحمل إلا مطاياه.

وأنشد ذو النون في هذا المعنى :

إذا ارتحل الكرام إليك يوما    ليلتمسوك حالا بعد حال

فإن رحالنا خطت رضاه    بحكمك عن حلول وارتحال

فشئنا كيف شئت ولا تكلنا    إلى تدبيرنا ذي المعالي

ويمكن أنه كان عليه السلام بشيرا إلى الله سبحانه يوصل إليه يوسف عليه السلام ، وبنيامين عن قريب فقال : ( إني أعلم من الله ما لا تعلمون )، وتصديق ذلك ما قاله سبحانه عقيب الاية بقوله : ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ).

قال أبو عثمان في قوله : ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ): معناه علمي بالله علم حقيقة ، وعلمكم به علم استدلال ، وقال أيضا : أعلم من الله إجابة دعوات المضطرين.

وقال بعضهم : أعلم من رحمته على عباده ما لا تعلمون.

قيل : لما شكا إلى الله وجد السلوة من الله.

ويقال : كان يعقوب عليه السلام متحملا بنفسه وقلبه مستريحا محمولا بسره وروحه ؛ لأنه علم من الله سبحانه صدق حاله فقال : ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) في معناه والشك اليقين إذا ما تمنى الناس روحا وراحة تمنيت أن أشكو إليه فيسمع.

ومعنى قوله : ( فتحسسوا من يوسف وأخيه ) أنه كان يرى بعين سره ، وقدم صفائح قدس الغيب ، منقوشا بذكر الوصال ورؤية ذلك الجمال ، ووصل إلى مقام روحه روح نسيم يوسف عليه السلام ؛ فحكم حكما كاملا فقال : تحسسوا من يوسف عليه السلام بخواطركم الربانية والإحساس والروحانية حتى تجدونه ، وأيضا تحسسوا بجميع وجودكم وقلوبكم لا بنفوسكم الأمارة ، وأيضا انقطعوا من جميع الأشياء في طلبه ، فإن متفرق الهمة لا يظفر بمأموله.

قال تعالى : ( ولا تيأسوا من روح الله ) لا تقنطوا من كرمه ورحمته في إرجاع يوسف عليه السلام وبنيامين إلي ، وأيضا تحسسوا من يوسف عليه السلام ، ولا تيأسوا من روح الله ؛ فإنه لا يبقيكم في

عرائس البيان في حقائق القرآن · الجزء ٢ · الصفحة ١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرائس البيان في حقائق القرآنج ٢ · ص ١٩٧