ما سمعنا – في غير القلة المؤمنة من قواد التاريخ – أن أحداً منهم قام من أجل مثل أعلى يريد إقراره في الأرض ، أو قيمة عليا يجاهد من أجلها ، ليرفع من نفوس البشر ويقربهم إلى مستوى الإنسانية ! إنما الذي يغلب عليهم هو شهوة الفتح وزهو الغلبة والمطامع الأرضية المتمثلة في توسيع الرقعة وزيادة الثروة على حساب المغلوبين و " وويل للمغلوب " ! كما قال واحد ممن يحسبون قادة في التاريخ (1) ، لأن الحرب ليست لها أخلاق ! ولا قانون يحكمها إلا قانون الغاب : القوي يأكل الضعيف !
لذلك تبحث عن آثارهم الباقية في التاريخ فلا ترى إلا بعض البطولات الفردية في القتال ، ولكن لا تجد قيماً باقية . وحتى الإمبراطوريات الضخمة التي يكونونها على عهدهم سرعان ما تتفسخ وتنطوي لأنها لا تمثل " قيماً " إنسانية ، إنما تمثل شهوات بشرية فحسب !
وانظر سير " المصلحين " الاجتماعيين ... كيف يصلحون ؟ وما آثارهم الباقية في التاريخ ؟
أغلبهم – فيما عدا القلة المؤمنة المهتدية بهدي الله – ذوو نظرات جزئية ، تتفق مع جزئية التفكير البشري وعدم قدرته على الإحاطة ، فضلاً عن الجهل الأصيل بطبيعة النفس البشرية ودروبها ومنحنياتها ، وما يصلحها وما يصلح لها !
أغلبهم يتناولون مشاكل اجتماعية جزئية يجدونها قائمة في مجتمعاتهم دون أن يتعمقوا إلى الأصول التي تنشأ عنها المشكلات ، ثم يحلونها حلولاً جزئية كذلك بغير تقويم شامل لنفوس البشر ذاتها التي ينشأ من انحرافها ما نشأ من خلل في تلك المجتمعات . فضلاً عن التعسف في معالجة الأمور في كثير من الأحيان لما رُكِّب في طبع الإنسان من عجلة : ( خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) [ الأنبياء : 37 ] . ولرغبته في أن يرى الثمرة السريعة في عمره المحدود .
(1) هو الإمبراطور " غليوم " إمبراطور ألمانيا وأحد قادتها العسكريين .