هذا الفصام النكد الذي يقسم الحياة قسمين : قسما من اختصاص الله سبحانه وتعالى يُمَارس في داخل الكنيسة ، وقسماً لا علاقة له بالله يُمَارس في واقع الحياة .
وامتد بهم الفصام النكد ففصلوا بين الدين والعلم ، وبين الدين والسياسة ، وبين الدين والاقتصاد ، وبين الدين وعلاقات المجتمع .. بل فصلوا بين الدين والأخلاق !
وماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة هي الحيرة والقلق والاضطراب الذي يحكم حياتهم ، وحالات الجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية المتزايدة ؛ لأن النفس البشرية الواحدة يحكمها إلهان مختلفان أو آلهة متعددة : إله في داخل الكنيسة ، وإله أو آلهة متعددة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلم والفكر والأخلاق . والله يمثل لهذه الحالة في القرآن فيقول :
( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [ الزمر : 29 ] .
والمثل مضروب لتقريب حقيقة الألوهية للعرب المخاطبين بهذا القرآن أول مرة ، وقد كان عندهم نظام الرق ؛ فيقول لهم : هذا عبد يملكه شركاء متشاكسون كل منهم يأمره بأمر يختلف عن صاحبه ويجذبه إلى ناحيته ، فهل تكون حاله في هدوء وسكينة وسلام مثل العبد الذي يملكه رجل واحد فيوجّه إليه أوامر واحدة في اتجاه واحد ؟ طبعاً لا يستوون !
وهذا نفسه هو حال الجاهلية المعاصرة حين تعبد إلهاً في المعبد ، وآلهة أخرى متشاكسة خارج المعبد ، فلا تعرف السلام ولا الهدوء ولا الطمأنينة ، إنما يحكم حياتهم القلق والاضطراب .
ولقد كان المسلمون بمنجاة من هذا كله وهم يعبدون إلهاً واحداً لا شريك له ، يعبدونه في المسجد وخارج المسجد . يتوجهون إليه باعتقاد صحيح في وحدانيته ، ويتوجهون إليه بشعائر التعبد ، ويتوجهون إليه في شئون حياتهم المختلفة ، فيتحاكمون إلى شريعته وينفذونها في واقع الحياة . وكانوا بذلك كما وصفهم الله في كتابه : ( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) [ آل عمران : 110 ] .