تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الصفة الكبرى التي يتصف بها أولئك العالمون بأن القرآن حق هي أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . ولا تحدد الآية عهداً معيناً ولا ميثاقاً معيناً ، إنما تشمل كل عهد وكل ميثاق مع الله . والعهد الأكبر هو الذي أودعه الله في الفطرة وأشهد الفطرة عليه ، وهو عبادة الله الواحد بلا شريك : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) [ الأعراف : 172 ] .

وكذلك العهد التي تذكره سورة يس : ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ، وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) [ يس : 60 ، 61 ] .

ولا تنتهي صفة المؤمنين بأنهم هم الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ، بل يستمر السياق فيصفهم بأوصاف جميلة أخرى : ( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ) . ( يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ) أي : يصلون كل ما أمر الله به أن يوصل ، لأن " ما " تفيد العموم . والتعبير بإطلاقه هكذا دون تحديد يشمل كل شيء أمر الله بوصله . وفي مقدمة كل شيء صلة الإنسان بربه بطبيعة الحال ، فهذه أول صلة أمر الله بها أن توصل : صلة العبادة الحقة لله . ويأتي بعدها صلات الإنسان بوالديه ، وصلاته بذوي قرباه ، وصلاته بالمسلمين جميعاً يحب لهم الخير ، ويحب لهم كما يحب لنفسه . وهكذا يشمل هذا التعبير الموجز كثيراً من تصرفات الإنسان .

ومع القيام بهذه الصلات التي أمر الله بوصلها فهم يخشون ربهم ، وهذه الخشية تجعلهم يتصرفون في أمورهم بما يرضي الله ، فيتعاملون بالصدق والأمانة والإخلاص ، خشية أن يغضب الله عليهم ، وكذلك يخافون سوء الحساب ، فيتجنبون الأعمال والأقوال التي تعرضهم للحساب الشديد .

( وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ) ، فهم يصبرون على الشدائد لأنهم يبتغون وجه الله ، ويتطلعون إليه بالرجاء ، ولكنهم صابرون ، لأنهم يعلمون أن ما أصابهم هو قدر من الله ، فيرضون به تقرباً لله وتحبباً إليه ليرضى عنهم .

ركائز الايمان · الصفحة ٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الايمانص ٨٩