كذلك قيَّض الله لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم رواة حافظين وعلماء مدققين حفظوا السنة ومحصوا روايتها ونفوا الدخيل منها وأبقوا الصحيح ودوَّنوه .
ومن هنا لم يحدث في العقيدة تحريف كما حدث في عقائد أهل الكتاب .
ثم إن الدين المنزل من عند الله بقي على صورته المنزلة عقيدة وشريعة ، فلم يقسم كما فعل النصارى في دينهم ، فجعلوه عقيدة منفصلة عن الشريعة . وبقي الإسلام قروناً عديدة يمارس في واقع الأرض بصورته المتكاملة ، فيحكم علاقة العبد بالرب ، وعلاقات الحاكم بالمحكوم ، وعلاقات الناس بعضهم ببعض بغير تفريق بين جزء من هذا الدين وجزء .
وحتى حين انحرف أغلب المسلمين في القرون الأخيرة عن حقيقة الإسلام ففصلوا الدين عن الدولة ، ووقعوا بذلك في شرك الطاعة والاتباع ، فإن انحراف قرن أو قرنين لا ينفي واقع اثني عشر قرناً كان المسلمون فيها يعدون الإسلام عقيدة وشريعة بغير تفريق ، بعكس ما حدث عند النصارى في أوربا حيث لم يطبق دين الله في صورته المتكاملة قط .
ثم إن الإسلام ليست له " كنيسة " كالتي قامت في أوربا تحرف الدين المنزل وتفسده . وليس له " رجال دين " ولا " كهنوت " يحتفظون بالأسرار ويستحوذون بهذه الدعوى على أرواح الناس وعقولهم . إنما فيه علماء وفقهاء في أمور الدين يستنبطون الأحكام المستمدة من الشريعة الثابتة المحفوظة ، تنفيذاً لأمر ربهم : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ] .
وهؤلاء العلماء والفقهاء يجتهدون ، يخطئون ويصيبون ، وليس لأحد منهم قداسة كرجال الكهنوت ، ولا يحلون ولا يحرمون من دون الله كما وقع في تاريخ النصرانية . والناس يحترمونهم ويوقِّرونهم لعلمهم وفضلهم ، ولكنهم لا يتخذونهم أرباباً من دون الله كما صنع أهل الكتاب بأحبارهم ورهبانهم : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) [ التوبة : 31 ] .