تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يتأتى أن يكون الإنسان موحداً في جانب من جوانب حياته ، ثم يتوجه في جوانب حياته الأخرى لغير الله ، فإنه بذلك يكون قد اتخذ إلهين ، والله يقول : ( وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) [ النحل : 51 ] .

وهذه الرهبة المذكورة في الآية هي الحصيلة الحقيقية للإيمان بأقسام التوحيد الثلاثة : توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات . وتنزيه الله عن كل شريك وتنزيه صفاته عن التشبيه والتأويل . ومؤداها هو التوجه لله وحده بالعمل كله ، سواء كان العمل صلاة ونسكاً ، أو سعياً في الأرض وراء الرزق ، أو كسباً أو إنفاقاً ، أو علماً أو سياسة أو اجتماعاً أو سلماً أو حرباً أو اعتقاداً .. إلخ : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ) [ الأنعام : 162 ، 163 ] .

وأيّا كانت أنواع الشرك ، وهو لا يخرج في جميع أحواله عن أن يكون شركاً أكبر ينفي الإسلام بالكلية ، أو شركاً أصغر يبطل العمل الذي صاحبه ، أو شركاً خفيّا هو من أكبر الكبائر ، فإنه أمر باطل في حكم الله ، كما أنه قبيح مستنكر في حكم العقل . فأيما إنسان سليم العقل مستقيم التفكير لا يمكن أن يتقبل الشرك بالله في أية صورة من صوره . ولذلك يندد الله بالمشركين في كثير من المواضع بقوله تعالى : ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) لأن مقتضى العقل أن يتوصل الإنسان إلى حقيقة التوحيد ، ويصل بها إلى درجة اليقين . فهذا هو الكون مفتوحاً أمام الحس البشري ، هل فيه شيء واحد ينبئ بأن يداً غير يد الله قد تدخلت في خلقه أو في تدبيره ؟ وهل يمكن أن ينتظم سير الكون هذا الانتظام الدقيق لو كانت فيه إرادتان مختلفتان أو صنعتان مختلفتان ؟! : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) [ الملك : 1 - 4 ] .

إن النظر في أي شيء من خلق الله ، كبير أو صغير ، لينتهي بالعقل إلى نتيجة واحدة ، هي التوحيد .

ركائز الايمان · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الايمانص ١٣٢