تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد توفيق صدقي

-----------------

<span class="footnote">

بشائر عيسى ومحمد في العهدين

العتيق والجديد

[*]

(2)

وإذا ترجمنا عبارة داود هكذا (ثقبوا يدي ورجلي) كما يترجمونها كان

المعنى أنهم أتلفوهما وهو كناية عن تعطيل جميع قواه وقهره وإذلاله بسبي نسائه

ونساء رجاله وبنيهم وأخذهم الغنائم الكثيرة منهم (1 صمو 30: 3 و19) ألا ترى

إلى قوله في نفس هذا المزمور 22: 14 (كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي.

صار قلبي كالشمع. قد ذاب في وسط أمعائي) إلخ فهل هذه الأشياء وقعت بالفعل؟

وهل انفصلت عظام داود أو المسيح حقيقة وذاب قلبهما؟ أم كل هذا كنايات كقوله:

(ثقبوا يدي ورجلي) ؟ وكان داود يدعو الله أن ينصره على أعدائه ويخذلهم وينجيه

من تعيير رجاله له ورغبتهم في رجمه. وقد كان ذلك كله فنصره الله عليهم وقتلهم

واسترد منهم جميع ما أخذوه كما سبق (1 صمو 30: 17 - 19) .

وأمثال هذه الكنايات كثيرة في المزامير وغيرها راجع مثلا قوله مز 3: 7

(قم يا رب. خلصني يا إلهي؛ لأنك ضربت كل أعدائي على الفك. هشمت أسنان

الأشرار) ومزمور 18 و35.

أما المسيح عليه السلام فلم ينجه الله تعالى - على قولهم - من يد أعدائه بل

أخذوه وعذبوه وصلبوه وقتلوه مع أن مقتضى المزمور الذي نحن بصدده أن الله

استجاب دعاء داود ونجاه من أعدائه ومن الكرب الذي كان فيه (انظر عدد 24 منه)

فكيف إذا ينطبق هذا على المسيح؟ !

(برهانهم الرابع) ما ورد في الإصحاح الثاني عشر والثالث عشر من سفر

زكريا. اعلم أن الإصحاح الثاني عشر هو نبوءة عن يهوذا المكابي وملخص قصته

كما في التواريخ المسيحية وكما في سفر المكابيين المقدس عند الكاثوليك وعند

الأرثوذكس أن ثلاثة من الكهنة الأشرار منهم واحد يسمى (الكميس) جمعوا حولهم

نفرا من قومهم اليهود وذهبوا إلى انتيوخس ملك سوريا اليوناني ووشوا إليه

بالآخرين من أمتهم وحرضوه عليهم فانقاد الملك لرأيهم وسار إلى أورشليم وسلب ما

في الهيكل فهرب من بقي في المدينة وولى على اليهود واحدا من قواده وأمره أن

يطلب من اليهود أن يسجدوا لأصنامه وأن يأكلوا لحم الخنزير وأن يتركوا الختان

وكان يقتل كل من لم يقبل ذلك وكان أكثرهم طاعة الكهنة الثلاثة المذكورون سابقا

وحزبهم فتسلطوا على إخوانهم الذين لم يطيعوا وفي سنة 166 قبل الميلاد قام كاهن

من اليهود الصالحين رئيسا عليهم فقتل أحد عساكر الملك وهو يهودي منافق وقتل

القائد أيضا فقويت بذلك قلوب اليهود.

ولما توفي خلفه ابنه (يهوذا) فالتف حوله جمع عظيم وحارب جيش الملك

فهزمه، وأراد الملك أن يأتي بنفسه إليه ولكنه مات في الطريق، ولما فرغ يهوذا

من محاربة اليونان دخل أورشليم وأزال الأوثان وطهر البيت وبنى مذبحا جديدا ثم

قتل بعد ذلك في بعض وقائعه مع اليونان وكان في جيش عدوه (الكميس) وكثير

من منافقي اليهود فبكاه شعب إسرائيل بكاء عظيما وتولى أخوه يوناثان بعده (راجع

الفصل 9 من سفر المكابيين الأول عدد 20) فلذا قال زكريا في كتابه 12: 2

(هأنذا أجعل أورشليم كأس ترنح لجميع الشعوب حولها وأيضا على يهوذا تكون في

حصار أورشليم) . (وفي نسخة الكاثوليك ويهوذا أيضا تكون في الحصار على

أورشليم) إلى قوله 3 (يجتمع عليها كل أمم الأرض) أي الشعوب التي حولها فلا

يدل هذا على التعميم كما يقولون هم في مثل قول لوقا 2: 1 (وفي تلك الأيام

صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن يكتتب كل المكونة) أي الأرض التابعة

للرومان فقط وفي قول التكوين 41: 56 (وكان جوع على كل وجه الأرض 57

وجاءت كل الأرض إلى مصر) وكذا قول تك 7: 19 (فتغطت جميع الجبال

الشامخة التي تحت كل السماء) إلى قوله 23 (فمحى الله كل قائم كان على وجه

الأرض) .

ثم قال زكريا 14: 4 (فى ذلك اليوم أضرب كل فرس بالحيرة وراكبه

بالجنون 6 في ذلك اليوم أجعل أمراء يهوذا كمصباح 7 ويخلص الرب خيام يهوذا

10 وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات

فينظرون إلي الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له 11 في ذلك اليوم

يعظم النوح في أورشليم) وصحة الترجمة (ويسلمون إلي) أمر (الذي طعنوا)

بدون هاء الضمير وذلك أن الذين كانوا مع يهوذا المكابي تركوه خوفا من جيش

العدو ولم يبق منهم إلا قليل هربوا أيضا حينما قتل وسلموا أمره إلى الله وإنما نسب

الطعن إليهم؛ لأنهم تسببوا فيه بفرارهم من حوله، وأيضا لأن الجيش الذي طعنه

كان فيه كثير من اليهود مع (الكميس) الذي كان يرغب أن يكون كاهنا أعظم وأتى

بجيش الملك لمحاربة يهوذا معه , وعلى فرض صحة ترجمة البروتستنت وأن

المعنى: (فينظرون إلي أنا الذي طعنوه) فالذي طعنوه هو (يهوذا) وإنما أسند

النظر والطعن إلى الله تعالى على حد قول الإنجيل (متى 25: 35 لأني جعت

فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني) إلى قوله 40 (بما أنكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي

هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم) وقوله تعالى في القرآن الشريف: {وما رميت إذ

رميت ولكن الله رمى} (الأنفال: 17) وقوله: {إن الذين يبايعونك إنما

يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} (الفتح: 10) ولما كان يهوذا المكابي هذا

مرضيا عند الله ومحبوبا وأعماله إنما هي لله - نسب تعالى طعن أعدائه له لنفسه

تعالى كما نسب جوع الفقراء وعطشهم له. وقد أشار دانيال (كما قالوا) في آخر

سفره لحوادث يهوذا المكابي هذا (دا 12: 12) .

هذا وقول زكريا: (وينوحون عليه كنائح على وحيد له 11 في ذلك اليوم

يعظم النوح في أورشليم) إلى قوله 14: (كل العشائر الباقية عشيرة عشيرة على

حدتها) يؤيد تفسيرنا هذا وأنه في حق يهوذا لا في حق المسيح فإن الذين طعنوه

وهم عسكر الرومان (يو 19: 34) لم ينوحوا عليه في ذلك اليوم ولا عشائر

اليهود الذين تسببوا في صلبه. أما يهوذا فقد ناحوا عليه كثيرا كما تقدم في سفر

المكابيين، ويؤيد قولنا أيضا قوله قبل هذا 12: 2 (وأيضا على يهوذا تكون في

حصار أورشليم) فإنه لا ينطبق على المسيح فإن أورشليم لم تكن محاصرة بجيوش

حينما كان المسيح عليه السلام فيها ولم يكن ثم حرب.

ثم قال زكريا في الإصحاح الثالث عشر 13: 1 (فى ذلك اليوم يكون ينبوع

مفتوحا لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية وللنجاسة) إلى قوله: (اضرب الراعي

فتتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار) فالمراد بالراعي هنا (يوناثان) أخو يهوذا

المكابي الذي تولى بعده.

ولما قتل يهوذا دخل جيش الملك ومعه اليهود المنافقون ونجسوا المدينة وكان

رئيسهم (الكميس) فظلم اليهود الصالحين وأمر بهدم حائط بيت المقدس فلذلك قال:

(فى ذلك اليوم يكون ينبوع مفتوحا لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية والنجاسة)

ثم أصيب (الكميس) بفالج ومات فرحل الجيش وتولى يوناثان أخو يهوذا ودخل

المدينة وطهرها وأزال عبادة الأصنام كما قال زكريا 13: 2 (إني أقطع أسماء

الأصنام من الأرض) ثم قتله قائد يسمى (تريفون) بالخديعة وأخذ من أخيه

(سمعان) مئة قنطار من الفضة وولدي (يوناثان) أيضا كما في سفر المكابيين ولما

قتل تشتت جيشه وحصل لليهود رعب شديد وفزع ثم جمعهم (سمعان) أخوه

وشجعهم واستأصل كل أثيم شرير من اليهود المنافقين (مكابيين أول 14: 14)

وانتهت عبادة الأصنام من بينهم فهذا هو قول زكريا: (استيقظ يا سيف على

راعي.. .. .. . اضرب الراعي فتشتت الغنم وأرد يدي على الصغار) ولدي

يوناثان (ويكون في كل الأرض) أي أرض إسرائيل (أن الثلثين منها

يقطعان) وهم الأشرار الذين قتلهم سمعان (ويموتان والثلث يبقى فيها) وبعد

سمعان لم تعد اليهود لعبادة الأصنام فلذلك قال في آخر هذا الإصحاح (زك 13: 9)

هو (أي شعب إسرائيل) يدعو باسمي وأنا أجيبه. أقول: هو شعبي وهو يقول:

الرب إلهي) فهذان الإصحاحان لا علاقة لهما بالمسيح عليه السلام ألبتة

ولا ينطبقان عليه. وهل المسيح كان له ولدان فأسرا حتى يقول: (وأرد يدي

على الصغار) ؟ وهل مات بالسيف مع أنه ما ضرب بالحربة إلا بعد موته؟ (يو

19: 33 و34) فما بالهم يريدون أن يجعلوا كل شيء رمزا لدينهم ولو بالقوة وإن

خالفوا اللغة والتاريخ والعلم والعقل والدين؟ !

(برهانهم الخامس) قال متى في إنجيله 27: 9 (حينئذ تم ما قيل بأرميا

النبي القائل وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل)

فادعى متى وادعوا تبعا له أن الأنبياء أخبروا أن المسيح سيباع بثلاثين من الفضة

وهذه النبوءة لا يوجد لها أثر في كتب العهد العتيق اللهم إلا في كتاب زكريا (لا

أرميا) فإنه يوجد بعض ألفاظ تشبه هذه العبارة (11: 12 و13) ولكن لا علاقة

لها بالمسيح وإنما النصارى كما قلنا مرارا يخترعون من الحوادث للمسيح ما يمكنهم

أن يطبقوه على عبارات العهد القديم ليوهموا الناس أن الأنبياء السابقين أخبروا

بجميع أحوال المسيح حتى موته وصلبه وألوهيته المزعومة وفي هذه العبارة كما في

غيرها لم يحسنوا التلفيق فأخطئوا وذكروا اسم أرميا وكان الأولى أن يحسنوا السبك

ويذكروا زكريا بدله وإن كان كل من العبارتين مختلفا لفظا ومعنى.

(برهانهم السادس) جاء في سفر الأعمال 2: 31 أن داود أنبأ عن قيامة

المسيح (من الموت بعد الصلب) بقوله: (إنه لم تترك نفسه في الهاوية ولا أرى

جسده فسادا) يشير بذلك كاتب هذا السفر إلى المزمور السادس عشر الذي قال فيه

داود عليه السلام 16: 9 (لذلك فرح قلبي وابتهجت روحي. جسدي أيضا يسكن

مطمئنا 10 لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادا 11 تعرفني

سبيل الحياة - إلى قوله -: في يمينك نعم إلى الأبد) وظاهر أن داود في

هذا المزمور يتكلم عن نفسه. ولفظ (الهاوية) هنا أصله العبري (شآول) وهو اسم علم لدار الموتى سواء كانوا في سعادة أو في شقاء ولذلك قال يعقوب لبنيه

حينما أرادوا أخذ بنيامين منه تك 42: 38 (إن أصابته أذية في الطريق تنزلون

شيبتي بحزن إلى الهاوية) .

وعليه فمعنى هذا المزمور أن جسد داود يسكن بعد الموت مطمئنا؛ لأنه يعلم

أن الله لن يتركه ميتا إلى الأبد بل سيرد روحه إليه من عالم الأرواح (شآول)

ويبعثه يوم القيامة للحياة الباقية فيخرجه من دار الموتى إلى نعيم الجنة.

وأما قوله: (لن تدع تقيك يرى فسادا. تعرفني سبيل الحياة) فالكلمة

المترجمة هنا (بفساد) تفيد أيضا معنى (القبر) والمراد بها المعنى المجازي أي

مكان الموت المعنوي وهو البعد عن الله فكأنه قال: (إنك لن تدعني يا الله أرى

مكان الموتى وهم الضالون الأشرار بل ستهديني إلى معرفتك التي بها الحياة الأبدية

وتعصمني من الاقتراب منهم) فلهذا ولاعتقادي بالبعث والنشور أراني مطمئنا

وسيسكن جسدي بعد موتي مستريحا واثقا بوعدك لي بالنعيم الخالد فلذا أحمدك

وأشكرك؛ لأنك نجيتني من الموت (الموت الأدبي الروحاني) وذلك مثل قوله في

مزمور آخر 56: 13 (لأنك نجيت نفسي من الموت. نعم ورجلي من الزلق لكي

أسير قدام الله في نور الأحياء (أو الحياة) فالبعد عن الله هو الموت وهو الموصل

للقبر ومعرفته تعالى هي الحياة الباقية. قال المسيح عليه السلام يو 17: 3 (وهذه

هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته)

وقال يو 11: 26 (كل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد) وقال أيضا

يو 6: 47 (من يؤمن بي فله حياة أبدية) فهذه الأقوال كلها هي كقول داود: (لن

تدع تقيك يرى فسادا (أو قبرا) . تعرفني سبيل الحياة) إذ إن من عرف الله وآمن

به واتقاه لا يرى الفساد ولا الشر وينجو من الموت النفساني ويبتعد عن مأوى

الأشرار الفجار الذين ماتت نفوسهم فيحيا إلى الأبد (كما قال المسيح عليه السلام) : حياة طيبة مع الأطهار الأبرار بعيدا عن مواطن السوء والشر والفساد راجع

أيضا متى 6: 13 ويو 17: 15 (قال الله تعالى في القرآن الشريف: {أومن

كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس

بخارج منها} (الأنعام: 122)

أما إذا أصر النصارى على أن المراد بعبارة داود هذه الحقيقة لا المجاز

وترجمت هكذا: (لن تدع تقيك يرى قبرا) كانت منافية لقوله قبلها مز 16: 9

(جسدي أيضا يسكن مطمئنا) أي في القبر فإن ذلك يعين أن ما جاء بعد من عدم

رؤية القبر يراد به قبر موتى النفوس البعيدين عن الله (أي القبر المعنوي) فإن

المؤمن لا يموت أبدا وليس المراد القبر الحقيقي وإلا فإن داود والمسيح عليهما

السلام قد رأيا القبر ودفنا فيه وبقي المسيح فيه ثلاثة أيام - كما يقولون - ومن

راجع المزامير كلها علم أن المجازات فيها ربما كانت أكثر من الحقيقة وإني

لأعجب لماذا يريد النصارى حمل كل ما جاء في العهد القديم على المسيح ولو كان

بعيدا عنه حتى مج الإنسان سماع هذه الاستشهادات منهم! ! لكني أتذكر فأقول:

إنهم لو وجدوا لدينهم دلائل غيرها لما تهافتوا عليها تهافت الظمآن على السراب

حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

فهذه هي براهينهم على الصلب من العهد القديم وقد انهارت جميعها على

أسسها وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.

***

الفصل الثاني

(فى إبطال ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح من العهد القديم)

نبدأ هذا الفصل بالمقدمة الآتية ثم نتبعها بالكلام على شواهدهم التي يتمسكون

بها من العهد القديم.

المقدمة - لا يخفى أن اليهود من عهد موسى عليه السلام إلى زمن المسيح

كانوا دائما يميلون إلى الوثنية فمع ظهور آيات الله تعالى لهم العظيمة ومع كثرة

أنبيائهم وشدة نهيهم لهم عن الشرك وعبادة غير الله نراهم كثيرا ما ارتدوا وعبدوا

الأصنام وقربوا قرابينهم لمولك ولعشتورث ولكموش (1 مل 11: 33) [1] .

وسجدوا لها وعبدوا - في زمن موسى - العجل الذهبي وغير ذلك كما تشهد به

كتبهم. ولعل منشأ حب الوثنية في قلوبهم وجودهم أزمنة طويلة بين الوثنيين الذين

كانوا في كثير من الأوقات سادات لهم في مصر وبابل والذين تغلبوا عليهم في

أرض كنعان والمغلوب يميل عادة لتقليد غالبه ويعجب بما عنده من مظاهر الأبهة

والعظمة والجمال. فلا يبعد على مثل هؤلاء الناس (اليهود) الذين أشربوا في

قلوبهم حب الوثنية من قديم الأزمان أن يقولوا في مسيحهم الذي كانوا ينتظرونه

ويظنون أنه سيكون ملكا عظيما ينصرهم على جميع الأمم ويخلصهم من ظلم

أعدائهم ومن سلطانهم عليهم ويجعلهم سادة الأرض ويكون دينهم أبديا كما قالوا في

الختان (تك 17: 13) وفي مواسمهم وقرابينهم (راجع الإصحاح الثالث

والعشرين من سفر اللاويين) وكما قالوا في ملك سليمان إنه باق إلى الأبد [2] (2

صمو 7: 12 - 16 وأخبار الأيام الأول 22: 10) فلا يبعد على مثل هؤلاء

الناس الذين علمت ميلهم للوثنية وأوهامهم وخيالاتهم في ملكهم وأمتهم ودينهم أن

يقولوا في مسيحهم هذا: إنه أعظم المخلوقات وأن الله تعالى خلقه قبل كل شيء وبه

عمل كل شيء وأنه صيره إلها وأن ملكه سيبقى إلى الأبد وأنه سيدين الخلائق جميعا

يوم القيامة إلى غير ذلك من هذه الأحلام اللذيذة والخيالات الجميلة التي كانوا

يقولون نحوها حينما يرتدون في معبوداتهم التي عبدوها مرارا من دون الله مع كثرة

نهي موسى والأنبياء لهم عن الشرك والوثنية (راجع الإصحاح الثالث عشر من

سفر التثنية وغيره) .

فلما جاء المسيح عليه الصلاة والسلام نمت هذه العقائد في قلوبهم وحاول

كثير ممن آمن به عليه السلام عبادته فكان يحارب هذه الأفكار بمثل قوله في إنجيل

متى 7: 22 (كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك

تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة 23 فحينئذ أصرح لهم

أني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم) وقوله مر 13: 32 (وأما ذلك

اليوم وتلك الساعة فلم يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب)

وقوله يو 17: 3 (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك

ويسوع المسيح الذي أرسلته) وزجره لمن ناداه بقوله: (أيها المعلم الصالح) فقال

كما في متى 19: 17 (لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله)

وقوله مر 12: 29 (الرب إلهنا رب واحد) وقوله متى 22: 40 (بهاتين

الوصيتين) أي محبة الله ومحبة القريب (يتعلق الناموس كله والأنبياء) وتسمية

نفسه في أكثر الأوقات (بابن الإنسان) إشارة إلى أنه إنسان مثلهم وقوله يو 20:

17 (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) أي أن الله أب له كما هو أب لهم

وإله له كما هو إله لهم إلى غير ذلك من أقواله الشريفة التي أبقاها الله تعالى في

الأناجيل إلى اليوم حجة ناهضة على النصارى، ولكن الناس في زمنه وبعده أبوا

إلا أن يعبدوه من دون الله وإن رفض تواضعا منه أن يسمى صالحا وأولوا جميع

أقواله هذه وغيرها بالتعسف والتكلف البارد الذي نسمعه اليوم من النصارى في هذه

الأقوال الصريحة. وأي كلام لا يمكن تأويله بمثل هذه التأويلات السخيفة؟ !

فاليهود الذين تنصروا حملوا إلى المسيحية وثنيتهم القديمة رغما عن جميع

أقوال المسيح عليه السلام نفسه وتعاليمه وأولوها حتى أخرجوها عن معانيها الحقيقية

الظاهرة منها ظهور الشمس في رابعة النهار.

والذي يدلك على ميل اليهود في ذلك الوقت لهذه الأفكار الوثنية قول

يوسيفوس مؤرخهم الشهير في حق المسيح ما يأتي إذا صح أن النصارى لم يحرفوا

كلامه (كما حرفوا غيره) على ما يقول كثير من فلاسفة العلم في أوربا اليوم. فمع

أن يوسيفوس ما كان يعتقد صدق المسيح عليه السلام قال ما يأتي عنه في تاريخه

القديم كتاب 18 فصل 3 رأس 3 (ونحو هذا الوقت نشأ يسوع إنسان حكيم إذا صح

أن ندعوه إنسانا؛ لأنه عمل أمورا عجيبة وكان معلما لجماعة قبلوا الحق بسرور

وصار له مصدقون كثيرون من اليهود واليونانيين) [3] فانظر وتأمل! وقد ساعد

اليهود على هذه الأفكار وجودهم في ذاك الوسط الوثني وسط الرومانيين ووسط

الفلسفة اليونانية وغيرها وانتشار مثل هذه العقائد بين جميع الأمم الأخرى.

فحمل الذين تنصروا منهم في ذلك الزمن إلى دينهم الجديد أفكارهم القديمة في

مسيحهم المنتظر وغلوهم فيه فقالوا: إنه أفضل جميع المخلوقات وإنه خلق قبل

العالمين (وهو بكر الخلائق) وأن الله خلق الخلق بواسطته وأنه صيره إلها مثله

وأنه سيأتي ويدين الخلائق بدلا عن أبيه إلخ إلخ، وهذه الأفكار هي التي نقرؤها في

الأناجيل المتأخرة (كإنجيل يوحنا) وفي رسائل بولس أعظم اليهود المتنصرين في

مبدأ المسيحية بل مؤسس المسيحية الحالية الحقيقي تأمل في الإصحاح الأول مثلا

من رسالته إلى العبرانيين وفي قوله فيها 1: 4 (صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما

ورث اسما أفضل منهم (وفي رسالته إلى أهل كولوسي) 1: 15 - 17

(فالظاهر من أقوالهم في تلك الأيام أنهم كانوا يعتقدون أن المسيح لم يكن مساويا لله

تعالى في الدرجة والمقام والجوهر بل مخلوقا منه قبل جميع الخلق (أي بكر كل

خليقة كما قال بولس) وأقل درجة منه تعالى وهو الذي وهبه كل شيء حتى جعله

بارا وإلها للعالمين كما جعل موسى إلها لفرعون على ما يقول سفر الخروج)

7: 1 (فلم تكن عقائد ألوهيته الأصلية الأزلية ولا عقائد التثليث ناضجة في أذهانهم

كما هي اليوم؛ ولذلك لا تجد بيانا مفصلا شافيا لهذه العقائد في العهد الجديد.

هذه هي أفكار اليهود القدماء التي أدخولها في المسيحية وكانت نشأت فيهم

قبل وجود عيسى عليه السلام بسنين؛ لأجل مسيحهم الذي ينتظرونه. ثم شبت

ونمت حتى بلغت أشدها في زمن بولس وشابت وهرمت بعده فقال أكثرهم: إن

المسيح مساو لله تعالى في الجوهر والمقام، وأنه هو هو، وبقي الآخرون على

عقائدهم القديمة في عدم المساواة وقام منهم فرق عديدة ورؤساء لهم كآريوس وغيره

مؤيدين كلامهم بمثل قول بولس: أفسس 1: 17 - 22 (كي يعطيكم إله ربنا

يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته - إلى قوله - 20:

الذي عمله في المسيح إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه في السماويات - إلى

قوله - 22: وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأسا فوق كل شيء للكنيسة)

وقول بطرس أع 2: 22 (يسوع الناصري رجل قد يبرهن لكم من قبل الله

بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون) ولكن

فاز الفريق الأقوى والأكثر على الفريق الأقل لميل النفوس إلى الغلو والمبالغة

ولانتشار الوثنية في العالم. وبقي الأقلون الذين لا يعتقدون في مساواة المسيح بالله

إلى أن جاء الإسلام فراق لهم وأعجبهم فدخلوا فيه أفواجا أفواجا واستمر فريق منهم

في أوروبا إلى اليوم ولكنهم بثوا أيضا في نفوس بعض الغلاة من المسلمين شيئا من

أفكارهم القديمة فجعلوا محمدا صلى الله عليه وسلم مخلوقا قبل كل شيء؛ ولأجله

خلق كل شيء ومن نوره [4] خلق كل شيء كما كانوا يقولون مثل ذلك في المسيح

من قبل ولولا أن نصوص الإسلام أصرح وأكثر من نصوص غيره في التوحيد

والتنزيه - ولولا ارتقاء البشر في زمنه عمن سبقهم في العقل والفكر لعبد محمد

صلى الله عليه وسلم من دون الله كما عبد غيره من الأنبياء والمصلحين وغيرهم

ولدخل المسلمون في عين جحر الضب الذي دخله من قبلهم.

وعليه فإذا وجد في كتب اليهود ألف نص ونص على ألوهية بعض البشر أو

مساواتهم لله تعالى في الأزلية لما قبل منهم ولعلمنا أنه مما أدخلوه في عقائدهم ومما

أفسدوه في دينهم.

ولما وجد اليهود أن النصارى يتمسكون به عليهم لإقناعهم بدينهم وبمسيحهم

ترك اليهود هذه الأفكار القديمة في المسيح المنتظر شيئا فشيئا حتى محيت من بينهم

تقريبا وأنسيت من أفكارهم ولم يبق لها إلا آثار قليلة في بعض كتبهم القديمة وهذه

الآثار هي التي يريد النصارى إقناع المسلمين بها اليوم.

على أنها غير صريحة وليست نصا فى الموضوع ويمكن تأويلها بنفس أقوال

كتبهم الأخرى بدون تكلف ولا تعسف كما يفعلون هم في أقوال المسيح عليه السلام

في التوحيد والتنزيه.

وإذا سألت النصارى: لماذا لم تذكر عقيدة التثليث والتجسد والفداء في كتب

أنبياء بني إسرائيل صراحة؟ أجابوك لعدم استعداد البشر لها في تلك الأزمنة.

ونقول: قد أثبت العماء الباحثون وجود مثل هذه العقائد تماما عند أكثر الأمم الوثنية

القديمة إن لم نقل كلها (راجع كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) فهل

وصل إليها الناس بالعقل أم بالوحي؟ فإن كان الأول فما عدم الاستعداد إذا؟ وإن

كان الثاني فلم أوحيت إلى الناس كافة ولم توح إلى شعب إسرائيل - شعب الله

المختار المفضل على العالمين؟ ! وما معنى هذا الاستعداد؟ هل كان الناس غير

قادرين على فهم هذه العقائد ثم فهموها مع أنها ما فهمت قط ولن تفهم أبدا! ! فإن

قالوا: إنها أوقعت قديما كثيرا من الناس في الشرك الحقيقي؛ فلذا لم توح إلى بني

إسرائيل. قلت: وهل سلمت اليهود من الشرك والوثنية وهم الذين عبدوا كثيرا من

آلهة الكفرة والمشركين مع صراحة التوحيد في كتبهم وكثرة نصوصه؟ وهل سلم

النصارى من الشرك والوثنية وفيهم من عبد مريم العذراء والصليب والقديسين

والقديسات؟ وهم جميعا إلى الآن يعبدون المسيح كله مع قول جمهورهم إنه إنسان

كامل وإله كامل وهم مع ذلك يعبدون الثالوث المركب من الآب والابن والروح

القدس مع تصريحهم بأن الآب هو الأصل وأن الروح القدس انبثق منه والابن انبثق

من أحدهما أو كليهما (على رأي آخرين) . وما الفرق بين عبادة الثلاثة على أنها

أقانيم وبين عبادتها على أنها ثلاثة آلهة؟ وما الفائدة من التوحيد إذا؟ ؟

الحق أن جميع الأمم القديمة قالوا بهذه العقيدة (الثالوث) للجمع بين التوحيد

الذي أوحي إليهم من الله وبين الشرك الذي لم يمكنهم أن يتصوروا وجود إله للعالم

بدونه لقصر عقولهم واستبعادهم أن يدبر هذا الكون العظيم إله واحد، ومثل هذا

السبب قد أوقع النصارى في نفس هذه العقيدة للجمع بين النصوص التي رأوها

متناقضة في العهد الجديد. أما العهد القديم فدلائل التوحيد فيه بينة ظاهرة في جميع

أسفاره من أولها إلى آخرها.

وإليك جميع الأقوال التي يتمسك بها النصارى من كتب اليهود على ألوهية

المسيح وبيان معناها وهي التي تركوا لأجلها نصوص المسيح عليه السلام الفصيحة

الصريحة ونصوص جميع الأنبياء الآخرين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***

الشواهد من العهد القديم

1 - جاء في كتاب أشعيا ما يأتي 9: 6 (لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا

وتكون الرئاسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام

7 لنمو رئاسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها

بالحق) إلخ فإذا صح أن هذا الكلام في حق المسيح فهو من أوهام اليهود في

مسيحهم الذي ظنوا أنه سيجلس على كرسي داود إلى الأبد كما قالوا في سليمان على

ما تقدم. على أن تسميته (إلها) قد ورد مثلها في حق موسى عليه السلام كما في

سفر الخروج 7: 1 (فقال الرب لموسى: انظر. أنا جعلتك إلها لفرعون

وهارون أخوك يكون نبيك) وورد في المزمور الثاني والثمانين 6 (أنا قلت: إنكم

آلهة وبنو العلي كلكم) ثم إن اللفظ المترجم بإله هنا في الأصل العبري يحتمل معنى

(القوي أو الجبار) وفي النسخة اليونانية الإسكندرانية بمعنى القوي ولا وجود له

هنا في النسخة السبعينية. ويقول اليهود الآن: إن المراد بهذه العبارة هو حزقيا

ومعنى حزقيا (قوة الله) وهو من أعظم ملوك اليهود ومعدود بين الملوك الثلاثة

الذين كانوا من أحسن ملوك يهوذا وهم يهوشافاط وحزقيا ويوشيا. ويقول المسلمون:

إن عبارة أشعياء هذه هي بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي جلس على

كرسي داود في الأرض المقدسة للآن وهو أب أبدي للمؤمنين رئيس السلام لغير

المعتدين (راجع فصل البشائر) وعلامة ملكه على كتفيه وهي المسماة في كتب

الحديث (بخاتم النبوة) واسمه (محمد) لم يكن معتادا بين العرب قبله وهو قوي

منصور وجميع هذه الصفات لا تنطبق على المسيح مثل انطباقها على محمد صلى

الله عليهما وسلم.

وقوله: (يولد لنا ولد) معناه على هذا أنه يولد لهم ولد من إخوتهم بني

إسماعيل فإن أبناء العم هم إخوة ومن ولد لنا فقد ولد لهم فكأن بني إسماعيل وبني

إسحاق أسرة واحدة أو أهل بيت واحد فإذا ولد لأحدهم ابن فهو مولود للجميع وأبو

الكل إبراهيم عليه السلام (تك 17: 4 انظر أيضا عدد 20: 14 وتث 2: 4

وتك 16: 12 و25: 18) .

سلمنا جدلا أن هذه العبارة في حق المسيح عليه السلام وأن الناس سيدعونه

(إلها قديرا) وقد وقع ذلك بالفعل فأي دليل فيها على صحة ألوهيته؟ غاية الأمر أن

أشعياء عليه السلام قد أخبر بقدره وعظمته حتى أن الناس سيتخذونه إلها وإن لم

يكن إلها حقيقيا؛ ولذلك قال: (يولد لنا. ونعطى. ويدعى اسمه كذا.. .. وغيرة

رب الجنود تصنع هذا) فالمولود والمعطى (بالفتح) والذي صنعه رب الجنود لا

يكون إلها وإن دعاه الناس بهذا الاسم فإن قيل: لماذا لم ينبه أشعياء بأكثر من ذلك

على عدم ألوهيته قلت: إن المقام مقام تنبؤ وإخبار بما سيحدث لا مقام تحذير من

الوثنية فلذا اكتفى بما ذكر ولعلمه أن كتابه وسائر كتب العهد القديم قد حذرتهم من

عبادة غير الله وملئت صفحاتها بذلك وخصوصا سفر التثنية (5: 7 - 9 و13:

1 - 5 4

: 15 - 19 وغير ذلك كثير راجع أيضا إصحاح 45 و46 من سفر

أشعياء) .

أما قول أشعياء في العدد السابع من هذا الإصحاح: إنه سيجلس على كرسي

داود إلى الأبد، فالنصارى أولى بتأويله منا فإنه لم يجلس على كرسي داود ولا

ساعة واحدة في الدنيا وإن كان المراد به ملكه الروحاني كما يعبرون (أي تسلطه

على النفوس) فنحن لا ننكره بل قال كتابنا الشريف: {وجاعل الذين اتبعوك فوق

الذين كفروا إلى يوم القيامة} (آل عمران: 55) فهو وإن بقي جالسا على كرسي

داود المعنوي إلى الأبد إلا أنه سيكون مع ذلك تابعا لمحمد صلى الله عليه وسلم إذ لا

منافاة بين هذا وذاك ويجوز أن نقول في هذه العبارة مثل ما يقولون هم في وعد الله

لسليمان بتثبت ملكه إلى الأبد (1 أيام 22: 10) وفي بقاء أورشليم عامرة إلى

الأبد (أرميا 31: 40) إن ذلك مشروط باستقامة بني إسرائيل وحفظهم لعهد الله

وشريعته كما في سفر أخبار الأيام الثاني (7: 18 - 22) فزوال الملك من اليهود

وعدم تملك المسيح عليهم وعدم دوام ملكه الدنيوي فيهم إلى الأبد وخراب أورشليم

إنما نشأ من كفرهم وعصيانهم وخروجهم عن طاعة الله فلو أنهم آمنوا به واتبعوه

لبقي ملكهم الدنيوي إلى يوم القيامة وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا

يزيل منهم هذا الملك بل يقويه ويعززه بوجود ملك آخر عظيم لإخوانهم بني

إسماعيل [5] ويكون الجميع يدا واحدة على كل عدو لهم قال تعالى: {ولو أنهم

أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم} (المائدة: 66) (أي القرآن)

﴿لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ (المائدة: 66) أي لفاضت عليهم

الخيرات والبركات، من الأرض والسماوات.

2 - قول أشعياء 35: 4 (قولوا لخائفي القلوب تشددوا. هوذا إلهكم.

الانتقام يأتي. جزاء الله. هوذا يأتي ويخلصكم) وهذه نبوءة بخلاصهم من أسر

بابل بدليل قوله في آخر هذا الإصحاح 10: (ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى

صهيون) أي أورشليم وإتيان الله كناية عن مجيء عذابه لأعدائهم ورحمته لهم

وخلاصهم وقد ورد مثل هذه الكناية كثيرا في الكتب المقدسة (مزمور 78: 65 -

70) و (أشعيا 19: 1 و42: 13 و45: 21 و40: 10) (وتث 33:

2) وورد في القرآن الشريف قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في

ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} (البقرة:

210) . ومما يدل على أن عبارة أشعياء هذه ليست في المسيح أن المسيح لم يأت

بالانتقام والجزاء بل هو الذي أخذ وصلب وقتل - على قولهم -.

على أننا لا ننكر أن المسيح صلى الله عليه وسلم جاء ليخلص اليهود وينقذهم

من الآثام والعصيان والكفر والضلال بالتوبة والإيمان والهداية. ولو أنهم تركوا

أعمالهم السيئة وآمنوا به جميعهم واتبعوه واهتدوا بهديه لخلصوا أيضا من الذل

والهوان وتسلط الأمم الأجنبية عليهم ولصارت لهم دولة عظيمة يرأسها عيسى

(يسوع) عليه السلام. ولعل في اسمه (يسوع) أي المخلص والمعين والمنقذ إشارة

إلى ذلك وإن كان اسما شهيرا سمي به كثيرون من اليهود قبله وبعده تفاؤلا به

للخلاص مما هم فيه من البلايا والمحن والمصائب.

3 - قول أشعياء 7: 14 (ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل

وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل) أي (الله معنا) والكلمة المترجمة هنا بالعذراء

معناها الفتاة سواء كانت بكرا أو غير بكر وكذلك وردت في سفر الأمثال 30: 1

و19 (ثلاثة عجيبة فوقي وأربعة لا أعرفها، طريق نسر في السماوات، وطريق

حية على صخر، وطريق سفينة في قلب البحر، وطريق رجل بفتاة) فصحة

الترجمة (ها فتاة تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل) وهي بشارة لآحاز أن ملك

(رصين) ملك آرام (وفقح) ملك إسرائيل سيزولان فلا يحق له أن يخاف منهما

وعلامة ذلك أن فتاة تحبل وتلد ابنا وتصير أرض هذين الملكين خربة قبل أن يميز

هذا الابن الخير من الشر فخربت أرض (فقح) بعد إحدى وعشرين سنة.

واختلفوا فيمن هي هذه الفتاة؟ فقال بعضهم: إنها امرأة أشعياء وقال آخرون: إنها

امرأة آحاز أو امرأة أخرى كانت معلومة لهم؛ ولذلك قال أشعياء بعد هذه

العبارة 7: 16 (لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى

الأرض التي أنت خاش من ملكيها) راجع الإصحاح السابع من سفر أشعياء، فأي

علاقة لهذه المسألة بالمسيح ومتى سمي المسيح (عمانوئيل) ؟

فالحق يقال: إن متى الإنجيل أخطأ في زعمه أن هذه نبوءة عن المسيح كما

في إنجيله 11: 23) .

وعلى فرض أنها في المسيح فالمسلمون لا ينكرون أن أمه كانت عذراء لم

يمسسها بشر [6] وأما اسم (عمانوئيل) فهو علم عبري دعي به كثير من اليهود

والنصارى فليس من يسمى به يكون إلها كما لا يكون إلها من سمي بالأسماء الآتية:

أشعياء (أي خلاص الله) يهوشافاط (الله يقضي) يهوصاداق (الله يبرر) يهوشع

(الله يعين) يهوه شلوم (الله سلام) يهوياداع (الله يعلم) يسوع أو عيسى (الله

يعين) أليشع (الله خلاص) إلى غير ذلك من أسماء اليهود التي فيها لفظ الجلالة

(الله) فهل كان كل هؤلاء آلهة لأنهم سموا بهذه الأسماء؟ إن أمر النصارى والله

لعجيب.

4 - قال متى 2: 15 (وكان هناك أي في مصر) إلى وفاة هيرودس.

لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: (من مصر دعوت ابني) والنبي المشار

إليه هنا هو (هوشع) الذي قال 11: 1 (لما كان إسرائيل غلاما أحببته ومن

مصر دعوت ابني) ومعنى هذه العبارة ظاهر لا يخفى على أحد إلا من أعماه الله

وهو أن المراد منها بنو إسرائيل وخروجهم من أرض مصر وقد سموا هم وغيرهم

أبناء الله كما هو معلوم والظاهر من الأناجيل الأخرى أن المسيح لم يذهب إلى

مصر وخصوصا إنجيل لوقا الذي ذكر تاريخ المسيح بالتفصيل ولكنه لم يذكر هذه

الحادثة بل قال 2: 41 (وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح)

فالغالب أن متى اخترع مسألة ذهابه إلى مصر ليلصق بالمسيح عبارة (هوشع)

النبي كما هو شأنهم في تاريخ المسيح عليه السلام وقد أخذوا كل ما قيل عن خلاص

اليهود من مصر ومن بابل وادعوا أنه رمز أو إشارة لخلاص البشر بصلب المسيح

كما قلنا سابقا.

وعلى فرض أن المسيح هو المراد بما قاله (هوشع) فأي شيء فيه يدل

على ألوهيته مع أن إسرائيل (أي بنيه) قد سمي بالابن البكر في العهد القديم (خر

4: 22) وكذلك أفرايم (أر 31: 9) وداود (مز 89: 27) فإذا لم يكن الابن

البكر إلها فكيف يكون المسيح إلها لهذه التسمية.

فإن قيل: إن المسيح سمي بالابن الوحيد في إنجيل يوحنا (1: 18 و3:

16 و18) قلت: إن بحثنا الآن فيما ورد في كتب اليهود (العهد القديم) أما العهد

الجديد فليسمه النصارى فيه بما شاءوا وشاءت أهواؤهم على أن هذا الابن الوحيد

(المسيح) قد سبق منذ زمن بعيد بالابن البكر (وهو عادة مفضل) فالمسيح وإن

سمي في زمنه بالابن الوحيد؛ لأنه كان أعظم إنسان حينذاك لكن كان لإلههم أبناء

غيره سبقوا عيسى في الملك والوجود (كداود) . فالحق أن جميع هذه الأسماء

مجازية لا حقيقية وهي لا تدل على ألوهية أحد منهم - هذا ولم يسم المسيح نفسه

(بالوحيد) بل ذلك مما سماه به يوحنا - أما المسيح بحسب أناجيلهم فقد سمى نفسه

(وغيره أيضا) بابن الله راجع ما قاله عليه السلام في هذا الموضوع في الأناجيل

(يوحنا 10: 31 - 38 ومتى 5: 9 و44 و45 ولو 20: 36) .

(يتلى)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) تابع لما نشر في الجزء الرابع ص 281.

(1) مولك اسم إله للعمونيين وكان من نحاس جالسا على عرش من نحاس وعشتورت آلهة الصيدونيين وكموش إله المؤابيين.

(2) حاشية: يقول النصارى: إن ذلك إشارة إلى المسيح عليه السلام؛ لأنه أتى من نسل سليمان ونقول: إن من راجع نسب المسيح عليه السلام كما في إنجيل لوقا 3: 23 - 38 اتضح له أن المسيح من نسل ناثان بن داود لا من نسل سليمان فكيف يكون هو المراد بتلك العبارة؟ وقد قالوا لرفع الخلاف الذي بين متى ولوقا في نسب المسيح: إن ما ذكره لوقا هو نسب أمه مريم عليها السلام فهو نسبه الحقيقي أما ما ذكره متى فهو نسب يوسف النجار ولا يخفى أن يوسف ليس بأب المسيح وعليه فلا يكون المسيح عليه السلام من نسل سليمان إلا بالادعاء من غير برهان وإن كان يوسف النجار هذا من نسله كما في إنجيل متى (1: 6) إلا أن يوسف هو زوج مريم فقط وليس هو أبو المسيح عليه السلام ولا ندري لماذا ذكر لوقا الآباء الحقيقيين لبعض جدود مريم تارة والآباء الشرعيين كما يقولون للجدود الآخرين؟ ولماذا لم يجر على طريقة واحدة كمتى فيذكر إما الآباء الحقيقيين كلهم أو الآباء الشرعيين؟ وهل وجود ابن حقيقي للأب الشرعي يسوغ إهمال لوقا ومتى لذكره مع ذكر لوقا لبعض من لا ولد حقيقيا له لهذا السبب كما يدعون لرفع تناقضهما واختلافهما العظيم ولم يخجلوا من هذا الاضطراب والتضارب! ! ! .

(3) راجع الفصل الثالث من كتاب دين الله وسينشر في الأعداد الآتية.

(4) حاشية: قال ابن تيمية في كتابه: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في الجزء الثاني صفحة 198: إن جميع هذه الأحاديث الواردة في خلق العالم من نور النبي (كلها كذب) ولا يخفى على أحد علم ابن تيمية في الحديث.

(5) حاشية: هم الذين قالت عنهم التوراة تث 32: 21 (فأنا) الله أغيرهم بما ليس شعبا بأمة غبية أغيظهم (وهم أمة غبية لجهلهم وأميتهم وقلة الأنبياء فيهم وقال عنهم المسيح لليهود كما في

متى 21: 43) إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره.

(6) حاشية: اسم أبي مريم في القرآن الشريف هو عمران وهو تعريب اسمه العبري (عمرام) الذي معناه (شعب عال) فهو يفيد معنى العلو أو السمو ويسمى في إنجيل لوقا (3: 23) (هالي) ومعناه أيضا (عال) وهذا الإنجيل يوناني الأصل فالظاهر أن صاحبه سمي أبا مريم بمعنى اسمه لا بلفظه الأصلي ويوجد في كتب العهدين كثير من أسماء الأعلام التي لم تنقل كما هي من لغاتها بل ترجموها ترجمة ففي الترجمة العربية لسنة 1844 تجد لفظ (شيلون) (تك 49: 10) مترجما (بالذي له الكل) وفقا للترجمة اليونانية مع أنه اسم علم ولذا بقي في التراجم الحالية كما هو وكما أبدلت في العربية ميم (عمرام) نونا فصارت (عمران) كذلك في الإنكليزية كثيرا ما يبدلون ميم اللغات الأخرى بالنون مثال ذلك Collodium وEctropium اليونانيتان صارتا في الإنكليزية Collodion وEcotrpion وغير ذلك كثير فهذه يا قوم إحدى غلطات القرآن في عقل صاحب كتاب الهداية المنصف المحقق! ! هداه الله قبل أن يهدي غيره.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٥ · الصفحة ٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٥ · ص ٣٥٢