تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد توفيق صدقي

-----------------

<span class="footnote">

الدين كله من القرآن

[*]

نكتب هذه الكلمة المختصرة بيانا للنصارى الذين يطعنون على القرآن

ويرمونه بالتحريف لعدم وجود ذكر لرجم الزاني المحصن فيه فنقول:

قد استنبط رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أحكام شرعية قليلة تخفى

مآخذها لأول وهلة على الناظر في الكتاب العزيز وهذه المسائل مع كونها قليلة جدا

معروفة ومتواترة بين المسلمين وأهم هذه المسائل هي:

(1) تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها.

(2) رجم الزاني المحصن.

(3) تحريم استعمال أواني الذهب والفضة.

(4) تحريم لبس الحرير على الرجال.

(5) النهي عن أكل الحمر الأهلية (وكان ذلك في واقعة خيبر) .

(6) منع بيع الأمة إذا افترشها سيدها وولدت له.

أما الأمر بقتل المرتد فهو كما قلنا وقال السيد صاحب المنار: كان خاصا

لظروف خاصة تقتضيها الحالة في ذلك الوقت لمنع تشكيك ضعاف المسلمين في

دينهم بتلاعب بعض الناس بالدين ودخولهم وخروجهم منه كما قالوا: {آمنوا بالذي

أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران:

72) ولمنع إفساد أمرهم وإفشاء أسرارهم وتشتت كلمتهم وإضعافهم بإظهارها أمام

أعدائهم شاكين منقسمين متفرقين ولمنع عبث المعتدين بهم الذين كانوا يظهرون

الإسلام إذا تمكن المسلمون منهم ثم يرتدون ويؤذونهم إذا أفلتوا من أيديهم أو قووا

عليهم. أما في غير هذه الأحوال فلا يجوز للمسلمين قتل أحد لمجرد الارتداد قال

تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: 256) وقال:

﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف: 29) وأوجب

تأمين المشرك الذي كان أبيح لهم دمه إذا جاءهم تاركا الأذى راغبا النظر في الدين

وطالبا البحث فيه لكي لا يدخله مكرها كما قال تعالى في سورة التوبة: {وإن أحد

من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا

يعلمون} (التوبة: 6) أي يجب تركه حتى يسمع القرآن ثم نرده إلى أهله آمنا

مطمئنا ليتروى فيه ويتدبر فإن شاء آمن بعد ذلك وإن شاء لم يؤمن بشرط أن يعد

ونعرف منه أنه لا يعود لإيذاء المسلمين فإن ذلك كان كل مقصودهم. وأما الإيمان

والكفر فهما متروكان لحرية الشخص {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم

جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس: 99) فهل بعد ذلك يقال:

إن الإسلام يكره الناس على الدخول في الدين؟ ؟ ! !

أما تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها؛ فذلك لأن العمة أو الخالة تعتبر

كالأم وتسمى أما كما أن العم والخال يسمى كل منهما أبا قال تعالى في يوسف:

﴿ورفع أبويه على العرش﴾ (يوسف: 100) مع أن أمه كانت ماتت من قبل.

وورد أيضا في سفر التكوين تسمية خالته أما له (راجع إصحاح 35: 19

مع 37: 10) وقال تعالى عن لسان بني يعقوب: {نعبد إلهك وإله آبائك

إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا} (البقرة: 133) فسموا إسماعيل عمه

أبا له.

أما رجم الزاني المحصن؛ فهو لأن الزنا مع الإحصان إفساد في الأرض

وموجب لخلط الأنساب [3] وإضاعة حقوق العباد في المواريث ومؤد لوجود الشحناء

والبغضاء والاقتتال بين الأشخاص والبيوتات وذلك يضعف الأمة ويفرق كلمتها.

والقتل في القرآن لا يباح إلا قصاصا للقتل وللإفساد في الأرض قال تعالى: {من

أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض

فكأنما قتل الناس جميعا} (المائدة: 32) وهذا هو حكم لنا أيضا لقوله تعالى:

﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا﴾ (المائدة: 33) الآية ولا شك أن الزنا محاربة لله ولرسوله بالعصيان وسعي في

الأرض بالفساد. وقوله: ﴿يقتلوا﴾ (المائدة: 33) يشعر بأن القتل لا يكون

دفعة واحدة بل تدريجيا كما في الرجم والرجم معروف في الشرائع الإلهية القديمة

كالموسوية كما لا يخفى فلا عيب فيه. فبهاتين الآيتين خصص رسول الله صلى الله

عليه وسلم الحكم العام الوارد في قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد

منهما مائة جلدة} (النور: 2) الآية أي أن ذلك خاص بغير المحصن ونقل

المسلمون عنه هذا التخصيص نقلا متواترا. أما عدم التصريح في القرآن برجم

المحصن فهو للإشارة إلى أن الزنا مع الإحصان ومع ما في الإسلام من التسهيل في

مسائل النكاح من حقه أن لا يكون معروفا بين المسلمين ولا فاشيا فيهم، ومن

الواجب أنه إذا وقع فلا يكون إلا نادرا جدا وعجيبا غريبا بينهم فكأنه لا يحتاج

لتشريع خاص به لشدة ندرته. وكأن لفظ الزاني إذا أطلق لا ينصرف عندهم إلا

إلى غير المحصن وفي القوانين الوضعية كثيرا ما يدمجون الأشياء النادرة الوقوع

في حكم واحد مع غيرها بحيث لا يتيسر إلا للمتضلع فيها استنباط حكمها من النص

العام فكذلك مسألة رجم الزاني المحصن في الإسلام التي لم يذكرها القرآن للتنزه

عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

وعليه فالرجم حق مما كتبه الله علينا في شريعته وإن لم يصرح به في القرآن

لما وضحنا. هذا وفي اللغة العربية كثيرا ما يراد بلفظ (كتاب) المكتوب أي

المفروض كما في قوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ (النساء: 24) في سورة

النساء وقوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ (النساء: 103)

أي فرضا له أوقات معينة وقوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب

على الذين من قبلكم} (البقرة: 183) الآية. فمن ذلك نشأ خطأ كثير من

المحدثين والرواة إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد أصحابه يقول

مثلا: (إن الرجم من كتاب الله تعالى) أي مما فرضه الله على المسلمين. فظنوا

حديث: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) [4] أنه آية من القرآن وشتان ما

بين ألفاظ القرآن وتراكيبه العالية وما بين هذا الحديث. وكذلك أخطئوا وخلطوا في

كثير من الأحاديث الواردة في هذه المسألة كقول عمر ما مثاله: إن الرجم فريضة

من كتاب الله تعالى ولولا أن يقول الناس: (زاد عمر في كتاب الله لكتبتها فيه) أي

هذه الفريضة. فلو كان هذا الحكم معروفا بين المسلمين أنه من القرآن لكتبه عمر فيه

ولما خشي أحدا ولما قال الناس: إن عمر زاده. فقوله هذا يدل على أنه ليس من

القرآن وإنما يريد عمر به المبالغة في أنه فرض كفروض القرآن ولولا أنه ليس منه

لكتبه فيه يعني أنه حكم كأحكام القرآن لا يجوز الشك فيه لعدم ذكره في القرآن

(كتاب الله) . فلفظ كتاب الله في هذه العبارة الممثل بها هنا له معنيان (الأول)

بمعنى: المفروض الواجب (والثاني) بمعنى: القرآن وفي اللغة من مثل هذا

كثير كقوله تعالى: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار * يقلب الله الليل والنهار إن في

ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (النور: 43-44) فالأبصار الأولى بمعنى: العيون

والثانية بمعنى: البصائر والعقول. وقال علي -رضي الله عنه- فيمن جلدها

ورجمها: (جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله) أي لأن الجلد صريح

في القرآن والرجم صريح في السنة، وهذا يدل على أن الرجم ما كان معروفا بين

المسلمين أن فيه آية صريحة في القرآن وإنما هو يستنبط منه استنباطا. وجميع

الأحاديث التي تدل على أنه كان من (كتاب الله) إما أن يكون منشؤها ما ذكرت

فخلط فيها الرواة وخبطوا لعدم فهمهم المراد منها، وإما أن تكون من الأكاذيب التي

أدخلها المنافقون على الغافلين من المحدثين افتراء على الله وعلى رسوله وعلى

أصحابه (وكثير ما هي) وإلا فإن القرآن بإجماع المسلمين نقل متواترا عن

رسول الله لفظا ومعنى مكتوبا في السطور ومحفوظا في الصدور عند جماهير الأمة

في كل زمان ومكان وكل ما ليس متواترا فهو ليس بقرآن كما لا يشك في ذلك

أحد من المسلمين وإنما هو من الأكاذيب والمفتريات لغش المسلمين في دينهم أو

تشكيكهم فيه أو لتأييد رأي أو مذهب لبعض أهل الأهواء والأغراض أو لبعض

الفرق الضالة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة أي شيء آخر

عنه سوى القرآن لمنع مثل هذا الخلط وأن يختلط كلامه بكلام الله تعالى.

وأما تحريم استعمال أواني الذهب والفضة فهو لأن ذلك إسراف وكنز لهما

مؤد إلى الحرج على الأمة والعسرة المالية. وكل من الإسراف والكنز مذموم في

القرآن الشريف. قال تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ (الأنعام:

141) وقال: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾ (الإسراء: 27) وقال:

﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ (التوبة: 34) .

وأما تحريم استعمال الحرير على الرجال فهو لأنه ينافي الرجولية والشهامة

ويؤدي إلى الإعجاب بالذات والفخفخة والخيلاء والغرور وإلا كانت محرمة كما في

الآيات السابقة.

وأما النهي عن أكل الحمر الأهلية فهو إما أنه كان للحاجة إليها في ذلك الوقت

أو لمرض فيها يخشى منه على المسلمين إذا أكثروا من الاقتراب منها وتناولها

بالأيدي (كالسقاوة والسراجة Glanders) أو لأن أكلها مكروه؛ لأنها لم تخلق

لذلك كما في قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ (النحل: 5) إلى قوله: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا

تعلمون} (النحل: 8) والخلاصة أن حرمتها لا يمكن أن تكون كحرمة لحم

الخنزير بالإجماع فهي (إذا سلم أن النهي عنها كان عاما) إما أن تكون مكروهة

وإما أن تكون من الصغائر؛ ولذلك لم يذكرها الله تعالى في آيات تحريم المأكولات

كقوله: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ (البقرة: 173) الآية

وغيرها وهذه الآية واردة في السور المكية والمدنية فلا يأتي فيها قولهم: (إنها

نسخت) .

وأما منع بيع الأمة إذا ولدت لسيدها؛ فذلك لأن بيعها تقطيع للأرحام وذلك

مذموم بقوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا

أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} (محمد: 22-23)

فليتأمل في هذه الآية المكثرون من الطلاق! !

والخلاصة أن الإسلام كله من القرآن وقد تخفى مآخذ بعض شرائعه اللهم إلا

بعض المسائل العملية القليلة التي توضيحها بالعمل خير من توضيحها بالقول وكانت

تتكرر بين المسلمين كثيرا ككيفية الصلاة والحج فلم يأت تفصيلها في القرآن

الشريف فأين تذهبون أيها النصارى. وبماذا تطعنون في الدين الحنيف؟ ؟ اه.

-----------------

<span class="footnote">

(*) للدكتور محمد توفيق أفندي صدقي.

(1) حاشية: عند كثير من أمم الإفرنج على ما نعرف لا يسمى جماع غير المتزوجات (بالزنا) ويخصون هذا الاسم بوطء المتزوجات فقط؛ لأنه هو الذي يجر إلى خلط الأنساب ونسبة الأبناء لغير أبيهم وفي الإنكليزية اسم الزنا (Adultery) يفيد معنى الخلط فلذا كان في الشريعة الإسلامية عقاب الزاني غير المحصن من الذكور والإناث أخف من عقاب المحصن؛ لأن الأول لا يؤدي إلى الفساد الذي يؤدي إليه الثاني ويلتمس لفاعله بعض العذر، وكذلك في الشرائع المدنية لا يعاقبون الزوج إذا قتل زوجته والزاني بها ولا عقاب عندهم للزاني في غير المتزوجات إذا كان لا يرضاهن وكن رشيدات ويعاقبون قاتله، ولو كان أباها أو أخاها فإن حق العصمة بيد الزوج فقط.

(2) حاشية هذه العبارة رويت في كثير من كتب الحديث على أنها حديث لا على أنها قرآن كما في الجامع الصغير.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٥ · الصفحة ٢١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٥ · ص ٢١٥