تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجلد رقم (16)

المحرم - 1331ه

يناير - 1913م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

فاتحة السنة السادسة عشرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه، والصلاة والسلام على

سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه، وبعد، فقد جرت عادتنا أن نشير في فواتح

سني المنار إلى شيء من تاريخه أو تاريخ الإصلاح، أو حال سيره في عالم

الإسلام، ونقول الآن على رأس السنة السادسة عشرة: إن صوت الإصلاح الديني

قد علا كل صوت في الأقطار الإسلامية التي بلغتها دعوته وهزتها صيحته،

فخفتت دونه أصوات الحشوية الجامدين، والدجاجلة المخرفين، وقد خذل الله

ببيروت في العام الماضي أشدهم إفكا وتخريفا، فيما يسميه نظما وتأليفا، فخذلته

الخاصة ولم تنصره العامة، وعورض ما يفتريه من الرؤى والأحلام بشيوع خبر

رؤيين رآهما بعض الصالحين من الحجاج، فقد حدثني الثقة المتفق على توثيقه

في بيروت قال: لما عاد والدي من الحجاز عام حجه جاء (الشيخ فلان) للسلام عليه،

وكان يعد من أصدقائه وأقبل بلهف ودهشة ليعانقه، فصاح به والدي: يا شيخ فلان -

وذكر اسمه - إن النبي صلى الله عليه وسلم غير راض عنك، فقد رأيته عند

زيارته في المدينة المنورة في الرؤيا، وأمرني أن أبلغك أنه غير راض عنك.

وأما الرؤيا الأخرى فقد رويت لي عن رجل من الحجاج أعطاه ذلك الدجال

نسخا من كتبه ليوزعها في المدينة المنورة، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في

نومه قبل دخول المدينة بليلة واحدة يقول له: إن هذه الكتب غير مقبولة، فلما

استيقظ ألقى تلك الكتب أو دفنها في جانب الطريق.

فمثل هاتين الرؤيين من ذينك الحاجين الصالحين نقض ما يدعيه ذلك الدجال

من الرؤى التي هو متهم فيها بتعظيم شأن نفسه، والتمهيد لدعوى الولاية له ولولده

وتحقير من اتخذهم أعداء له؛ لأنهم ينيرون عقول الأمة حتى لا تغتر بمثله.

هذا إيماء إلى عاقبة دجال القطر السوري المجاهر بعداوة الإصلاح وأهله،

ولا نكبر شأنه بالرد عليه أو التصريح باسمه.

وقد خفت أيضا صوت دجال (جاوه) وظهر جهله، وما أبقى عليه تكريم

حكومة هولندة بل نسبه وسنه، ودجال تونس المقيم معدود عند عقلاء بلده من

المجاذيب أو المجانين، ولو كان في تونس حرية لحزب الإصلاح كالحرية الشاملة

لأهل الجمود والفساد؛ لرأى العالم الإسلامي من تونس ما لم يره من سائر الأقطار.

وأما دجالها المتقلب في البلاد كتقلبه في الآراء والأفكار فهو يتتبع

مواقع الصيت والاشتهار، ويتأيا مساقط الدرهم والدينار، فيدور مع من يملك ذلك

حيثما دار، حتى إنه أفتى بجواز بناء الكنائس للروم والبلغار، والإنفاق على ذلك

من بيت المال، فنال الحظوى بمثل هذه الفتوى عند زعماء جمعية الاتحاد والترقي،

واصطنعوه لكل ما يبغون من الخداع الديني، وقد خذلهم الله ولم يعتبر المسكين

﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ (الأعراف: 183) .

هذه حال المجاهرين بمقاومة الإصلاح الديني وأهله، لا صوت لأحد منهم

يسمع، ولا رأي لهم يتبع، وإنما يغترون بكثرة من يصدق الخرافات، ويسلم كل

ما يعزى إلى الأموات تقليدا للآباء والأمهات، ومواتاة للأتراب واللدات، ويحسبون

هذا اتباعا لهم، ويعدون أهله من أشياعهم، فيفتنون بكثرتهم، ويهونون من أمر

المصلحين لقلتهم، وقلة من يهتدي بهم، ولو فكروا وقدروا وتدبروا واعتبروا،

لرأوا أن هذه القلة هي محل الرجاء، وتلك الكثرة كالغثاء أو الهباء، وأنها تتفلت كل

يوم من أيديهم كما تتفلت الإبل من عقلها، بل من جامعة الإسلام التي عرفوا اسمها

وجهلوا حدها وفصلها، فكثرة أشياع الخرافات إلى قلة، وقلة حزب المصلحين إلى

كثرة، وقد فطن هرقل ملك الروم لهذا الأمر الذي جهله المغرورون، فسأل عن

أتباع النبي صلى الله عليه وسلم: أيزيدون أم ينقصون؟ فلما علم أنهم على قلتهم في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١