تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(1) قولُهُ: (﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾) [آل عمران:7] في «القسطلانيِّ»: قال الكرمانيُّ: المُحكَمُ: ما وضح معناه، فيدخل فيه النَّصُّ والظَّاهر، والمتشابهُ: ما تردَّدت فيه الاحتِمالات، فيدخل فيه المُجمَل [والمُؤوَّل]، وقسَّم الرَّاغبُ المتشابهَ إلى قسمين؛ أحدُهما: ما يرجع إلى ذاته، والثَّاني: إلى أمرٍ ما يعرض له، والأوَّل [1] على ضروبٍ؛ ما يرجع إلى جهة اللَّفظ مُفرَدًا؛ إمَّا لغرابته؛ نحو: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:31]، أو لمُشارَكته الغيرَ؛ نحو: اليد والعين، أو مُركَّبًا؛ إمَّا لاختِصارٍ؛ نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:82]، أو الإطناب؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى:11]، أو لإعلال [2] اللَّفظ؛ نحو: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة:107]، وثانيهما: ما يرجع إلى المعنى؛ إمَّا من جهة دقَّته؛ كأوصاف الباري عزَّ وجلَّ وأوصاف القيامة، أو من جهة ترك التَّرتيب ظاهرًا؛ نحو: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح:25]، وثالثها: ما يرجع إلى اللَّفظ والمعنى معًا، وأقسامُهُ بحسب تركيب بعض وجوه اللَّفظ ثلاثةٌ، ووجوه المعنى اثنان، ومضروبُ الثَّلاثة في الاثنين ستَّةٌ، والقسم الثَّاني من المتشابه؛ وهو ما يرجع إلى ما يعرض في اللَّفظ؛ وهو خمسة أنواعٍ:

الأوَّل: من جهة الكميَّة؛ كالعموم والخصوص [3].

الثَّاني: من طريق الكيفيَّة؛ كالوجوب والنَّدب.

والثَّالث: من جهة الزَّمان؛ كالنَّاسخ والمنسوخ.

والرَّابع: من جهة المكان؛ كالمواضع والأمور التي نزلت فيها؛ نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:189]، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التَّوبة:37] فإنَّما يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة عادتهم في الجاهليَّة.

الخامس [4]: من جهة الإضافة؛ وهي الشُّروط التي بها يصحُّ الفعل أو يفسد؛ كشروط العبادات والأنكحة والبيوع؛ كذا في «القسطلانيِّ»، وقال الكرمانيُّ: والمتشابهُ على ضربين؛ أحدهما: ما إذا رُدَّ إلى المُحكَم واعتُبِر به؛ عُلِم معناه، والآخر: ما لا سبيلَ إلى الوقوف على حقيقته؛ وهو الذي يتَّبعه أهل الزَّيغ، فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه، فيفتتنون به؛ كالإيمان بالقدر ونحوه، انتهى، وفي «الإتقان»: اختلف أهل المتشابه ممَّا يمكن الاطِّلاع على علمه، أو لا يعلمه إلَّا اللهُ وأكثرون من الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم ومن بعدهم خصوصًا أهل السُّنَّة، فهمُّوا إلى الثَّاني، وهو أصحُّ الرِّوايات عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال ابن السَّمعانيُّ: لم يذهب إلى القول الأوَّل إلَّا شرذمةٌ قليلةٌ، قلت: ويدلُّ لصحَّة مذهب الأكثرين ما أخرجه عبدُ الرَّزَّاق في «تفسيره» والحاكم في «مُستدرَكه»: عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّه كان يقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آَمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:7] فهذا يدلُّ على أنَّ الواوَ للاستِئناف؛ لأنَّ هذه الرِّواية وإن لم تثبت في القراءة؛ فأقلُّ درجاتها أن تكون خبرًا بإسنادٍ صحيحٍ إلى ترجمان القرآن، فيُقدَّم كلامُهُ في ذلك على من دونه، وحكى القرَّاء [5] في قراءة أُبيِّ بن كعبٍ أيضًا: (وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ)، وأخرج ابن أبي داودَ في «المصاحف» من طريق الأعمش، قال: في قراءة ابن مسعودٍ: (وَإِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللهِ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ)، وأخرج الشَّيخان

ص 721

وغيرهما وعن عائشةَ: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: «فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمَّى الله، فاحذروهم»، ورُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [6] قال: «إنَّ القرآن لم يزَلْ ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه؛ فاعملوا به، وما تشابه؛ فآمنوا به»، انتهى، وفيه أيضًا من المتشابه آياتُ الصِّفات، ولابن اللَّبَّان فيها تصنيفٌ مُفرَدٌ؛ نحو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ [7] هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:88]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرَّحمن:27]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:39]، ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:10]، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمر:67]، وجمهور أهل السُّنَّة منهم السَّلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المُراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسِّرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها، ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «والمتشابه لا يعلمه إلَّا الله، ومن ادَّعى علمه سوى الله؛ فهو كاذبٌ»، وقال أيضًا: «نؤمن بالمُحكَم وندين به، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به، وهو من عند الله تعالى كلُّه»، وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: (رسوخهم في العلم أن آمنوا بمتشابهه ولا يعلمونه)، وأخرج الدَّارميُّ في «مُسنَده»: عن سليمانَ بن يسارٍ: أنَّ رجلًا يُقال له صبيغٌ [8] قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، وقد أعدَّ له حتَّى برئ، ثمَّ عاد له حتَّى برئ، فدعا به ليعود، فقال: إن كنت تريد قتلي؛ فاقتلني قتلًا جميلًا، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعريِّ ألَّا يجالسه أحدٌ من المسلمين، فهذه الآثار والأحاديث تدلُّ على أنَّ المتشابه ممَّا لا يعلمه إلَّا اللهُ، وأنَّ الخوضَ فيه مذمومٌ.

قولُهُ: (يُصَدِّقُ) تفسيرٌ للمتشابه؛ وذلك أنَّ المفهومَ من الآية الأولى أنَّ الفاسق؛ أي: الضَّالَّ يزيد ضلالته، وتصدِّقه [9] الآيةُ الأخرى؛ حيث يجعل الرِّجس على الذين لا يعقلون [10]، ويزيد للمهتدي الهداية.

قولُهُ: (﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾) [آل عمران:7]؛ كاحتِجاج النَّصارى بأنَّ القرآنَ نطق بأنَّ عيسى روحُ الله وكلمته، وترك الاحتِجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزُّخرف:59]، و ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آَدَمَ﴾ [آل عمران:59].

[1] في الأصل: (والأمر)، والمثبت من المصادر.

[2] كذا في الأصل، وفي «القسطلانيِّ»: (لإغلاق).

[3] في الأصل: (والخوص)، وهو تحريفٌ.

[4] في الأصل: (الخامسة).

[5] زيد في الأصل: (قوله).

[6] زيد في الأصل: (فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمَّى الله، فاحذروهم، ورُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)، وهو تكرارٌ.

[7] زيد في الأصل: (إلَّا)، ولعلَّه سبق نظرٍ.

[8] في الأصل: (سبيعٌ)، والمثبت من المصادر.

[9] في الأصل: (ويصدِّق)، والمثبت من المصادر.

[10] في الأصل: (يعقل)، والمثبت من المصادر.

التوضيح · الصفحة ٥٤١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التوضيحص ٥٤١٧