تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينقلب فيه أشد البغض إلى أشد الحب، وقد تعمل فيه حالة من حالات النفس ما لا يعمل السحر؛ وكذلك يقع للرجل إذا أحب المرأة فنبت عن مودته فعرض للتعقيد الذي في طبيعتها, وأمعن وثبت وصابر.

رأت الجمرة الأولى في قلبي فأضرمت فيه الثانية، حين جاءتني اليوم بكتاب زعمت أن فلانا أرسله إليها يطارحها الهوى ويبثها وله الحنين والتياع الحب.

ويقول لها في هذا الكتاب: "أنا لم أشرب خمرا قط، ولكني لا أراني أنظر إلى مفاتنك ومحاسنك إلا وفي عيني الخمر، وفي عقلي السكر، وفي قلبي العربدة. جعلت لي -ويحك- نظرة سكير فيها نسيان الدنيا وما في الدنيا ما عدا الزجاجة".

ويختمه بهذه العبارة:

"آه, لو استطعت أن أجعل كلامي في نفسك ناعما، ساحرا، مسكرا، مثل كلام الشفة للشفة حين تقبلها! ".

عند هذا وقع الشيء المنتظر في الفصل الثاني من الرواية، وختم هذا الفصل بأول قبلة على شفتي "الممثلة".

قالت: هذه القبلة كانت "غلطة مطبعية"، ومضت تسميها كذلك، واستمرت المطبعة تغلط. وما علمت إلا من بعد أن ذلك الكتاب الذي استوقدت به غيرتي إنما كان من عملها ومكرها.

وجاءتني اليوم بآبدة من أوابدها، قالت:

أنت رجعي محافظ على التقاليد. قلت: لأني أرى هذه التقاليد كالصباح الذي يتكرر في كل يوم, وهو في كل يوم ضياء ونور.

قالت: أو كالمساء الذي يتكرر, وهو في كل يوم ظلام وسواد!

قلت: ليس هذا إلي ولا إليك، بل الحكم فيه للنفع أو الضرر.

قالت: بل هو إلى الحياة، والحياة اليوم علمية أوروبية، والزمن حثيث في تقدمه، وأصحاب "التقاليد" جامدون في موضعهم قد فاتهم الزمن؛ ولذلك يسمونهم "متأخرين". أما علمت أن الفضيلة قد أصبحت في أوروبا زيا قديما، فأخذ المقص يعمل في تهذيبها، يقطع من هنا ويشق من هنا؟!

اسمع أيها "المتأخر"، وتأمل هذا البرهان الأوروبي العصري:

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ١٥٩