تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دموع من رسائل الطائشة

1:

ورسائل هذه الطائشة إلى صاحبها، تقرأ في ظاهرها على أنها رسائل حب، قد كتبت في الفنون التي يترسل بها العشاق؛ ولكن وراء كلامها كلاما آخر، تقرأ به على أنها تاريخ نفس ملتاعة لا تزال شعلة النار فيها تتنمى وترتفع؛ وقد فدحتها بظلمها الحياة إذ حصرتها في فن واحد لا يتغير، وأوقعتها تحت شرط واحد لا يتحقق، وصرفتها بفكرة واحدة لا تزال تخيب.

وأشد سجون الحياة فكرة خائبة يسجن الحي فيها، لا هو مستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها؛ فهذا يمتد شقاؤه ما يمتد ولا يزال كأنه على أوله لا يتقدم إلى نهاية؛ ويتألم ما يتألم ولا تزال تشعره الحياة أن كل ما فات من العذاب إنما هو بدء العذاب.

والسعادة في جملتها وتفصيلها أن يكون لك فكر غير مقيد بمعنى تتألم منه، ولا بمعنى تخاف منه، ولا بمعنى تحذر منه؛ والشقاء في تفصيله وجملته انحباس الفكر في معاني الألم والخوف والاضطراب.

وقد اخترنا من رسائل "الطائشة" هذه الرسالة المصورة التي يبرق شعاعها وتكاد تقوم مدة بإزاء نفسها كالمرآة بإزاء الوجه؛ وهي فيها عذبة الكلام من أنها مرة الشعور، متسقة الفكر من أنها مختلة القلب، مسددة المنطق من أنها طائشة النفس؛ تلك إحدى عجائب الحب؛ كلما كان قفرا ممحلا اخضرت فيه البلاغة وتفننت والتفت؛ وعلى قلة المتعة من لذاته تزيد فيه المتعة من أوصافه؛ ولكأن هذا

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ١٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ١٦١